بإصبعه، وقال الشافعى: يضمن؛ لأن المأذون فيه الوطء دون الفتق، فأشبه ما لو قطع يدها [1] ، وقول الشافعى هنا هو الذى عليه جمهور فقهاء الشافعية في قول ثان لهم، حيث ذهبوا فيه إلى أن الزوج إن أزال البكارة بيده، أو بغير ذكره يكون عليه أرش العذرة، وهو قول المالكية الذين ذهبوا إلى أن الزوج إن أزال بكارة زوجته بإصبعه تعمدًا يلزمه حكومة عدل"أرش"يقدره القاضى، وأضافوا: أن إزالة البكارة بالإصبع حرام ويستحق الزوج التأديب بسببه [2] ، وجاء في حاشية الروض المربع:"وفى أرش البكارة ثلث الدية" [3] ، وذكر ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار:"ويعتبر مهر المثل في البكارة والثيوبة" [4] ، ومفاد هذا: أن للبكارة قيمة محفوظة إذا وقع الاعتداء عليها فإنها تضمن بما يجبرها ويعوض المعانى المبنية عليها.
البكارة رمز للشرف والسلامة:
وكما يبدو من تلك النصوص وغيرها فإن بكارة الفتاة- بجانب كونها رمزًا لعفتها وشرفها وطهارتها- تمثل أحد مكونات بدنها التى تستحق التعويض عنها إذا أزيلت عبثًا أو إذا وقع اعتداء عليها، ومن ثم يظهر جليًّا أن للفتاة وأسرتها مصلحة في بقائه، وفائدة ذات أبعاد مادية وأدبية في المحافظة عليه؛ كما أن للمجتمع كله مصلحة أدبية في المحافظة على بكارة بناته حتى تشيع الفضيلة فيهن، فلا تجد التيارات المنحرفة سبيلًا إليه، ولا تنال الأفكار الضالة من الأخلاق الفاضلة فيه.
صعوبة بيان الحكم في المسألة:
وإذا كان وجود غشاء البكارة في الفتاة سليمًا كما خلقه الله، يعد تجسيدًا لكل تلك المصالح الفردية والأسرية والاجتماعية، تكون مسألة إعادة رتقه- مما يكون قد اعتراه من فتق أو إزالة بسبب من الأسباب المؤدية لذلك- أمرًا مطلوبًا بالقدر الذى تقتضيه المحافظة عليها.
بيد أن ذلك العمل قد لا يكون خاليًا من المفاسد التى تجعل الركون إليه خالصًا مما يكدره، ولهذا يظل القول بمشروعيته أمرًا يحتاج إلى بحث ودراسة، لا سيما بعد أن كثر النقاش فيه، واشتد الخلاف حول مشروعيته واحتد، وذلك ما سوف تنطوى عليه تلك الدراسة بعون الله وتوفيقه.
خطة الدراسة:
وسوف تنقسم هذه الدراسة- بعد تلك المقدمة- إلى مبحثين:
أولهما: لبيان مناط الحكم الشرعى في جراحة رتق غشاء البكارة.
(1) المغنى لابن قدامة- جـ12 - ص171 وما بعدها، طبعة هجر.
(2) يراجع: شرح منهاج الطالبين- جـ4 - ص 142 وما بعدها- طبعة الحلبى، وحاشية الدسوقى على الشرح الكبير- جـ4 - صـ277 وما بعدها- طبعة دار الفكر، وكشاف القناع- جـ5 - صـ163 - طبعة الرياض.
(3) معين الحكام للطرابلسى- جـ2 - صـ398 - شرح زاد المستقنع الطبعة الثانية 1973، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع- جـ7 - صـ274 - الطبعة الثالثة 1985م.
(4) حاشية ابن عابدين على الدر المختار- جـ8 - صـ461 وما بعدها- طبعة دار الثقافة والتراث، جـ2 - صـ331 - طبعة دار إحياء التراث العربى.