الصفحة 3 من 40

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده، سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن سار على منوال شريعته واتبع منهاج دينه إلى يوم الدين .. وبعد:

فإن غشاء البكارة يمثل رمزًا لعفة الفتاة التى لم يسبق لها الزواج، ودليلًا على طهر سلوكها واستقامة مَسلكها، ولهذا كانت المحافظة عليه تجسيدًا لتلك المعانى، ودليلًا على أن الفتاة لم ترتكب من الأفعال ما ينال من عذريتها أو يمس مواطن الشرف والاعتبار فيها، ونظرًا لما يمثله غشاء البكارة من أهمية في التكوين البدنى والأدبى للفتاة، فقد تلقفته أعراف الأمم التى استقام سلوكها على هدى أديان السماء، وجعلته قيمة اجتماعية تفخر بها العائلات، وتعتز بمحافظة بناتهم عليها، كما تشمخ بها الأسر، وتعتبرها دليلًا على حسن التربية، وصلاح الأحوال، وتتويجًا لما آثروا التمسك به من القيم الرفيعة، والمثل الكريمة التى يتجاوز الشرف فيها مكان البكارة من الفتاة إلى كل أفراد أسرتها، وقد يكون المساس به مدخلًا لعداوات تزهق فيها الأرواح، وإحن تراق فيها الدماء، كما قد يكون وجوده في ليلة زفاف الفتاة لزوجها سببًا لقيام الأسرة، واستمرار مسيرتها، كما أن فقده أو المساس به يمثل حجر عثرة أمام ثقة الزوج بمن اختارها شريكة لحياته، ويلقى به في أتون الشك والريبة اللذين لا تستقيم بهما حياة، ولا تستمر معهما عشرة، ومن ثم كان حرص الكثيرين- لا سيما أهل الفتاة- يقظًا متوثبًا ليلة زفافها، ولا يهدأ لهم بال حتى يطمئنوا عليه، وليعلنوا على الملأ أنهم فخورون به سعداء بالمحافظة عليه، وليتلقوا التهانى من أحبابهم وجيرانهم وذوى المودة لهم.

أهمية البكارة في الشرع والعرف:

ويمكن القول: إن لتلك الأعراف المتصلة بغشاء البكارة لمن لم يسبق لها الزواج وما يحيط به من المعانى الداعية للحرص عليه، والمحافظة على وجوده، صلة بالمبادئ الدينية والأحكام الشرعية المتعلقة بالمحافظة على العرض، والتمسك بالشرف والفضيلة، ليس لأنها من مكارم الأخلاق التى يعتز بها الناس ويفخرون، وإنما لأنها- مع ذلك- تمثل أحد الأعضاء الجسدية التى تنفرد بها المرأة، وتمثل أخص مواطن العفة والحياء من بدنها، ولهذا كان التعدى عليها بالإتلاف، أو اقتراف إثم الزنى عملًا مؤثمًا شرعًا، يستحق العقوبة المقررة لمن يعتدى على عرض أنثى بفعل الوقاع المحرم شرعًا، ويجب الضمان بالتعدى عليه، وفى هذا يقول ابن قدامة: وإن أكره امرأة على الزنا فأفضاها، لزمه ثلث ديتها ومهر مثلها؛ لأنه حصل بوطء غير مستحق ولا مأذون فيه، فلزمه ضمان ما تلف به كسائر الجنايات، وهل يلزمه أرش البكارة مع ذلك؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يلزمه؛ لأن أرش البكارة داخل في مهر المثل فإن مهر المثل أكثر من مهر الثيب، والتفاوت بينهما هو عوض أرش البكارة، فلم يضمنه مرتين، كما في حق الزوجة، والثانية: يضمنه؛ لأنه محل أتلفه بعدوانه فلزمه أرشه، كما لو أتلفه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت