الصفحة 33 من 40

أما في عقد النكاح، فإن محله يكمن في مواطن العفة من حياة الإنسان، وأخص ما في تلك الحياة من جوانب، ولهذا فإن عيوب الإرادة فيه لا تمنع من ترتيب آثاره عليه ومنها المهر والنفقة والنسب وغير ذلك من الآثار؛ ولأن الشارع قد رسم له طريقًا محددًا لإنهائه، إما بالطلاق من الزوج، أو بالتطليق عليه بناء على طلب الزوجة وادعائها وقوع الإضرار عليها من زوجها، وإما بالخلع.

لهذا؛ ونظرًا لأن للخلاص من عقد النكاح طريقًا محددًا بتقدير الشارع لم تعد ثمة حاجة إلى تقرير إنهائه بسبب عيوب الإرادة، طالما أن للزوج حق إنهائه إذا أراد.

وعلاقة الزوج بزوجته مبناها على المودة التى قد تجعل الزوج يرتبط بعلاقة عاطفية مع من ارتبط بها، ولا يؤثر فيها ما قد يبديه أمام الناس من امتعاض بسبب ما فوجئ به بعد العقد من أن بكارة زوجته ليست موجودة، ولو تمت مجاراته فيما يبديه أمام الناس ظاهرًا بحكم الأعراف الجارية والثقافات الزائفة، فإن ذلك ربما يصدمه في عاطفته المتعلقة بتلك الزوجة؛ ولهذا كان من الأرفق به أن يترك له تقدير أمر التخلص منها، ولا طريق إلى هذا إلا إذا كان الطلاق هو المعتمد في مجال فض تلك الرابطة.

وإذا كان التدليس مذمومًا في مجال التعاقد على الأشياء، فإنه لن يكون كذلك في مجال الزواج، وذلك بدليل ما هو معلوم من وجوب الستر على ذوات الماضى المعيب، وما أثر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بشأن من سبق منهن الانحراف، حيث نهى عن إفشاء أسرارهن، وتوعد من يفعلون ذلك بالعقاب التعزيرى الملائم؛ ولهذا كان إجراء أحكام التدليس على تلك الجراحة أمرًا لا أساس له من الصحة.

كما أنه ليس من الصواب أن تطبق على هذه العمليات أحكام الجراحات التجميلية [1] ؛ لأنها أكبر من تلك العمليات، وأشد تأثيرًا على حياة الفتاة منها، وإذا كانت عمليات التجميل تتعلق بأمر كمالى، فإن تلك العملية تتعلق بأمر ضرورى يتصل بالتوازن النفسى والعقلى، ويرتبط بالطمأنينة التى يجب أن تستشعرها الفتاة عندما تفكر في مستقبلها، فإن الإنسان الذى لا يشعر بطمأنينة على مستقبله، أو يراه مظلمًا معتمًا يصيبه من الكدر النفسى أكثر مما يصيب المريض بأخطر الأمراض؛ بل قد يدفع الفتاة للانتحار، ولهذا يكون إجراء الجراحة في الحالات التى تستوجب إجراءها أمرًا ضروريًا وملحًا.

وأمر المشروعية في إجرائها أوضح من أن يستدل عليه، ويكفى في الدلالة عليها أنه لا يوجد ما يحظرها أو يقرر عقابًا على فعلها، وطالما أن هذا النص لا يوجد، فإن إجراءها يكون عملًا قانونيًا مشروعًا.

ولا يسوغ - كذلك- ما ذكره أحد الباحثين من أن عدم وجود النص الذى يسبغ وصف الجريمة على تلك الجراحة، يمكن تلافيه بالنصوص التى تجرم المساس بجسم الإنسان دون غاية تبرره وهى شفاء المريض من مرض أو علة جسمانية، وتعاقب عليه وليس من تلك الغاية جراحة إصلاح غشاء

(1) د. محمود الزينى- السابق- صـ221.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت