الصفحة 32 من 40

تافهة بجانب المصالح المحققة التى تعود على الفتاة وعلى أهلها، وعلى المجتمع من جهة قطع دابر الشرور ونشر الفحش فيه.

كما لا يستقيم ما يقال من أن احتمال رجوعها إلى الفحش بعد إجراء تلك الجراحة أمر وارد، فإن مثل هذا القول مرده إلى سوء الظن بالفتاة، مع أن فضل الله لا حرج عليه، ولا يجوز أن يكون سوء الظن حكمًا في الموضوع؛ لأنه محرم، والحرام لا يبنى عليه حكم، فلا يجوز الاحتجاج به.

4.إن القول بعدم جواز إجراء تلك الجراحة فيه حكم على الفتاة بأن تفضح نفسها، فإذا ما تقدم لها خاطب، أو من يريد الزواج بها يجب عليها- وفقًا لأصحاب هذا الرأى- أن تجلس أمامه على كرسى الاعتراف وتحكى له عن خصوصيات حياتها الماضية، وإلا كانت غاشة له ومخالفة لما شرعه الله، إن الله- تعالى- قد حرم على الإنسان أن يفضح نفسه، كما حرم على المجتمع أن يفضح من ارتكب الفحش فيه حتى لا تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأصحاب هذا الرأى يريدون من الفتاة أن تخالف ذلك الأصل الإسلامى الأبلج، وهو تشدد يدل على عدم التجرد في استخلاص الحكم الصحيح، والوقوف منذ أول لحظة ضد المصلحة الشرعية المعتبرة للفتاة لمجرد أنها قد أخطأت مع أن الله يغفر الذنوب جميعًا، ولكنهم لا يريدون أن يغفروا لها؛ بل ويريدون أن يلحقوا تلك التى زالت بكارتها قضاءً وقدرًا أو بأسباب لا تسئ إلى الأخلاق، بمن زالت بكارتها بالانحراف، وإلا كانت غاشة لمن يريد أن يتقدم للزواج منها، وأشهد الله أنهم لما يصادفوا شيئًا من الصواب فيما قالوه، وهو يعبر عن رأيهم الشخصى أكثر من بيانه لحكم الله في المسألة.

موقف القانون الوضعى من إجراء جراحة الرتق العذرى:

لا يوجد في القانون الوضعى ما يجعل جراحة الرتق العذرى عملًا مؤثمًا، وكما هو معلوم فإن افتقاد النص في مجال التحريم والعقاب يدل على إباحة الفعل، إعمالًا لمبدأ المشروعية، الذى يقضى بأنه لا جريمة إلا بنص، ولا عقوبة إلا بقانون، ومن المعلوم أن التجريم لا يجوز فيه القياس، كما لا يجوز استجلاؤه من نصوص غير تلك التى تقرره تحديدًا، ولهذا أخطأ من قام بتخريج أحكام تلك الجراحة على نصوص القانون المدنى المنظمة للتدليس كعيب من عيوب الإرادة [1] ، ثم راح يبين أحكامه ويعزى ما بينه من تلك الأحكام إلى مصادرها.

ووجه الخطأ في هذا الأمر أن التدليس يرد في مجال التعاقد على الأشياء؛ ولذلك كان تقرير إبطال العقد بسبب عيب التدليس فيها أمرًا يمكن إدراكه وتصحيح الآثار التى نجمت عن التدليس.

(1) د. إبراهيم رفعت الجمال وآخرون- السابق- صـ241 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت