الصفحة 31 من 40

فإن ذلك القول لو حدث، فإنه سوف يدفع الزوج إلى سوء الظن بها، ولن يصدق في ظل ثقافة الفضول وسوء الظن بالناس أن يصدق بأن ما تم قد حدث دون ذنب منها، وسيؤدى ذلك إلى التعجيل بهدم مستقبلها، ولو أنها أخبرته بما حدث تكون قد خالفت هدى الشارع الحكيم في الستر على نفسها، وإنه لمن الحماقة أن تخبر الفتاة عن أمر يغلب على الظن معه أن يؤدى إلى هدم مستقبلها، فإن الشارع لا يطلب منها أن تخبر عن ماضيها إذا كان لها ماض سيئ، فما بالنا بهذا الماضى الذى لم تقترف سوءًا فيه إذ حدث الفتق دون ذنب منها؟، وعليه لا يكون لمثل هذا القول قيمة أو معنى.

2.إن رتق غشاء البكارة يجعل المرأة في وضع تتساوى فيه مع الرجل بعد ارتكاب الفاحشة وهى لن تتجاوز به مقدار ما يكون عليه بعد اقترافه جريمة الفحش، فالرجل بعد تلك الجريمة لا يظهر عليه من العلامات التى يطارد بها اجتماعيًا ونفسيًا وأخلاقيًا، أما هى فإن تمزيق الغشاء عند الجماع يترك علامة على ذلك الفحش لا يمكن محوها إلا بتلك الجراحة، وهى إذا أجريت لن يزيد وضع المرأة به عن المساواة مع الرجل في أصل الحلقة البدنية لكل منهما، والمساواة في المركز الحقوقى مقصد شرعى يجوز المصير إليه ما أمكن [1] .

ولأن إجراء تلك الجراحة لن يمحو أدلة إثبات الجريمة- لو كانت قد حدثت- في جانب أى منهما لأن لهذا الإثبات أدوات شرعية محدودة تسرى على كل منهما، ولن تؤثر فيها أن تصلح المرأة غشاء بكارتها، فإنها إذا فعلت ذلك لن تستطيع أن تمحو به أدلة الإثبات لو كانت قد ارتكبت جريمة، ولأن فتق غشاء البكارة ليس- بذاته- مما يصلح دليلًا لإثباتها؛ لأنه قد يحدث نتيجة لسبب لا يسئ إلى الأخلاق، ولا يمت لتلك الإساءة بصلة، ومن ثم تخلص المساواة بين الرجل والمرأة- في ذلك الأمر- من الآثار التى تنال منها [2] ، وهذا يؤكد مبدأ الأخذ بها، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن قرينة فتق غشاء البكارة لا تصلح وحدها لإثبات الزنا ما لم يصاحبها اعتراف أو إقرار [3] .

كما لا ينال من ذلك ما قيل من أن المساواة لا تكون فيما فطر الله كل واحد منهما عليه؛ لأن للمرأة تكوينها بدنيًا يختلف عن تكوين الرجل، والمساواة الحقيقية بينهما إنما تكون في الحقوق والواجبات، وهذا قائم لا يعتريه تغيير، لكن يبقى مع تغيير التكوين البدنى شىء آخر يرجع إلى الأثر المترتب على فعل الفاحشة فهو في جانب الرجل لا يؤدى إلى اختلاط الأنساب، بخلاف المرأة، فإن محلها يؤدى إلى اختلاط الأنساب، ولهذا يتعين حفظه مما يؤدى إلى ذلك ومنه إصلاح الفتق العذرى [4] .

فإن ذلك القول مردود بأن المساواة في العودة إلى أصل التكوين لكل منهما، وهذا لا يتأتى إلا بإصلاح الفتق العذرى، وهذا لا يخل باختصاص كل منهما بتكوين بدنى يختلف عن التكوين البدنى للآخر، وما يقال من أن انحراف المرأة يؤدى إلى اختلاط الأنساب فيه تجاوز للحقيقة، فإن البكارة والثيوبة لا صلة لهما باختلاط الأنساب؛ لأن للنسب وسائل للإثبات لا يؤثر فيها بكارة أو ثيوبة، وفعل المرأة كما يؤدى لاختلاط الأنساب، فإن فعل الرجل قد يكون أكثر منه خطرًا في ذلك؛ لأنه قد ينكر ولده ويرمى نسبه على غيره؛ بل إن إنكار النسب منه أخطر من اختلاطه؛ لأن فعل الوقاع يحدث خلف الأبواب المغلقة، ولا يعلم بحدوث العلوق منه سوى الله، ومن حدث منه العلوق، وهذا الاختلاط لا يحدث من قبل المرأة، فإن النسب ثابت لها عيانًا، حيث يشهد نزول الولد منها كل من يحضر الولادة، ولهذا الاختلاف خص الشارع الأب بالذكر في قوله- تعالى-: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [5] ؛ لأن إنكار النسب من الأب أقوى في الأثر من المرأة، حيث لا يشهد أحد فعل الوقاع الذى حدث منه العلوق حتى يقطع بأن هذا الولد ابن لهذا الأب، بخلاف المرأة، وقد جرت قواعد الإثبات في النسب على مراعاة ذلك، ووضعت له أسبابًا لا تركز على عين العلوق من الرجل وجعلت قيام العلاقة الزوجية سببًا له إذا جاء في مدة الحمل، أو أقر به الأب مع توافر شروط صحة الإقرار أو غير ذلك من الأسباب التى يثبت بها النسب.

3.إن إجراء جراحة الرتق العذرى سوف يشجع الفتاة التى تم إجراء الجراحة لها على التوبة، ويدفعها إلى العفاف- لو كان سبب فتقه راجعًا إلى سوء سلوكها-، وسوف يثبتها على هذا الطريق المستقيم الذى كانت عليه قبل أن يتمزق غشاء بكارتها.

ولو أن الطبيب قد غَلَّ يده عن إجراء تلك الجراحة، فإنه سوف يمنع هذا الخير، بل سيؤدى بها إلى أن تستمر في طريق الغواية، طالما أن أصحاب القلوب الرحيمة قد حكموا عليها بأن تظل سائرة فيه، وبعد أن أوصدوا أمامها باب التوبة والاستقامة وأحكموا فيه الرتاج [6] .

ولا يستقيم ما ذكره البعض من أن في ذلك فتحًا لباب الفساد- كما سبق وأن ردد المانعون ذلك كثيرًا- وأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح [7] ، فإن الاستدلال بتلك القاعدة- لو صح- لكان دليلًا على جواز إجراء تلك الجراحة لا على منعها، فإن من أكبر المفاسد أن يتم دفع الفتاة إلى طريق السوء أو تثبيتها عليه وإغلاق باب التوبة والاستقامة أمامها، واتخاذ كافة الوسائل لفضحها وهتك سترها، إن ذلك الرأى المبنى على الانتقام والتشفى هو المفسدة التى يتعين منعها، وليس العكس فإنه لا يعبر إلا عن مفاسد موهومة لا قيمة لها، ولا يوجد ما يصدقها على أرض الواقع، ولو وجدت لكانت

(1) د. محمد نعيم ياسين- رتق غشاء البكارة- السابق- صـ87.

(2) الطرابلسى- معين الحكام- صـ399، الطبعة الثانية سنة 1973، عبد القادر عودة- التشريع الجنائى الإسلامى- جـ2 - صـ441 - طبعة نادى القضاة سنة 1984م، تبصرة الحكام في أصول الأقضية والأحكام- جـ2 - صـ295 - مطبوع بهامش فتح العلى المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك- طبعة الحلبى الأخيرة سنة 1958م، وراجع في هذا المعنى د. محمد نعيم ياسين- السابق- صـ 87.

(3) د. محمد نعيم ياسين- المرجع نفسه- صـ87، وما بعدها، وصـ103.

(4) د. إبراهيم رفعت الجمال وآخرون- السابق- صـ228.

(5) سورة الأحزاب، الآية: 5.

(6) فى هذا المعنى: د. محمد نعيم ياسين- أبحاث فقهية- السابق- صـ334 وما بعدها، د. إبراهيم رفعت الجمال وآخرون- السابق- صـ230.

(7) د. إبراهيم رفعت الجمال وآخرون- السابق-، د. عز الدين التميمى- غشاء البكارة من منظور إسلامى- السابق- صـ571 وما بعدها، د. محمد الشنقيطى- السابق- صـ408.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت