الصفحة 30 من 40

الموقف، وأما أمر الآباء والأعمام والأخوة بالإحجام عن الإخبار عما أحدثته بناتهم وأخواتهم من الزنا، فإنه- لاشك- يعلم أن الزنا مظنة قوية لذهاب البكارة، وأن الزواج مظنة قوية لاكتشاف ذلك، ومع هذا كان يأمره بالستر وعدم الإخبار لما يعلمه من أن موازين الناس يجب أن تكون تبعًا لميزان الشرع، وأن الشرع لا يعتبر زوال البكارة دليلًا ولا قرينة على الزنا ولا سببًا موجبًا لفسخ عقد الزواج [1] .

رابعًا: ومن الإجماع:

لقد انعقد إجماع الصحابة على أن سبق الزنا من المرأة لا يمنع من زواجها؛ بل إن حملها من الزنا لا يمنع ذلك الزواج، وقد حكى هذا الإجماع الإمام ابن حزم قى المحلى فقال:"فهذا عمر يبيح للحامل من زنى الزواج بحضرة الصحابة- رضى الله عنهم- ولا يعرف له مخالف منهم، مع أنهم يعتبرون مثل ما قضى به من عظائم الأمور لو ظفروا به"، فكان ذلك إجماعًا منهم على هذا الحكم [2] .

وإذا كان الإجماع قد انعقد على صحة زواج الحامل ممن زنى بها بشرط ألا يجامعها حتى تضع حملها، فيكون زواج من سبق زناها بدون حمل صحيحًا من باب أولى، وحيث كان ذلك كذلك يكون المانع من إجراء جراحة الرتق العذرى- عند من يرون منعها- قد زال، فيكون إجراؤها صحيحًا بناءً على ذلك.

خامسًا: ومن المعقول:

وقد استدل القائلون بالجواز على ما ذهبوا إليه بالمعقول فقالوا:

1.إن قيام الطبيب بتلك الجراحة يساعد على ترسيخ مبدأ حسن الظن بالناس، ويغلق أبوابًا من الشر لو ظلت مفتوحة لأدت إلى سوء الظن والخوض فيما حرمه الله- تعالى-؛ فإن الفتاة التى فتق غشاء عذريتها لو ظلت على ما هى عليه، فإن أقوال الناس سوف تحكم عليها بالفحش وتسد أمامها أبواب الإصلاح الاجتماعى، وربما دفعها ذلك إلى التفكير في الحرام والاندفاع نحوه، وذلك بعكس ما لو تم إجراء تلك الجراحة فإنه سوف ينأى بها عن كل تلك العثرات [3] .

ولا ينال من ذلك ما قد يقال من أن غلق باب سوء الظن بالمؤمنين والمؤمنات إنما يكون بالإخبار عن حقيقة الواقع كما حدث دون تزوير له، والصدق قبل الزواج، فإن رضى الزوج على ذلك كان رضاه عن بصيرة، وإن انصرف عنها عوضها الله خيرًا منه، أما لو ارتبط بها عن تعمية لحالتها، فإنه لو علم بعد الزواج قد يخبر بذلك فيشيع الإفك عنها ظلمًا، وقد يؤدى ذلك إلى تهديد كيان الأسرة وهدم مستقبلها [4] .

(1) المرجع نفسه- هامش 2.

(2) المحلى لابن حزم- السابق- صـ28.

(3) فى هذا المعنى: د. محمد نعيم ياسين- أبحاث فقهية- السابق- صـ230، د. محمود الزينى- السابق- صـ146.

(4) د. إبراهيم رفعت الجمال وآخرون- السابق- صـ226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت