الصفحة 29 من 40

تخطب من عمها، فيكره أن يزوجها حتى يخبر ما كان من أمرها، وجعل يكره أن يفشى ذلك عليها، فذكر ذلك لعمر، فقال: زوجها كما تزوجوا صالحى فتياتكم [1] .

ووجه الدلالة في هذا الأثر على المطلوب:

أنه قد دل على أن الفتاة التى سبق وقع الزنا منها يجب الستر عليها، وأن من حقها أن تزوج كما يزوج الناس الصالحات من بناتهم، ولا يجوز هتك سترها بذكر ماضيها المعيب أمام من يتقدم للزواج منها، وأن من يفعل غير ذلك يكون مخالفًا لمنهج الشارع الحكيم في الستر على البنات.

وقد جاء وجوب الستر عامًا يشمل كل وسيلة تؤدى إليه، ولاشك أن رتق غشاء البكارة من أهم وسائل الستر على الفتاة التى سبق انحرافها، والتى لم يسبق لها الانحراف فيتعين المصير إليه، ويكون الطبيب الذى يجريه مأجورًا لا مأزورًا.

3.وما رواه الإمام مالك في الموطأ عن أبى الزبير المكى أن رجلًا خطب من رجل أخته، فذكر له أنها كانت قد أحدثت زنا من قبل، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فضربه أو كاد أن يضربه، ثم قال: مالك وللخبر؟ قال وهب: وأخبرنى عمرو بن الحارث بهذا الخبر عن أبى الزبير، وفيه أن عمر قال له: أنكح واسكت [2] .

ووجه الدلالة في هذا الأثر على المطلوب:

أن عمر بن الخطاب قد نهى ولى أمر الفتاة أن يخبر الخاطب عن ماضيها الذى ارتكبت فيه الزنا، ولو كان الإفشاء واجبًا لما أمره بذلك؛ بل إنه قد نهاه عن الإفشاء بأسلوب مقترن بالعقاب التعزيرى الدال على حرمة هذا الفعل، وهذا يفيد أن الستر واجب بكل ما يوصل إليه، ومنه عملية إصلاح غشاء البكارة.

كما تدل هذه الآثار على أن سبق الزنا من المرأة لا يعتبر عيبًا من العيوب التى يجب على الولى أن يخبر بها، ولو أن عمر كان يرى أن الزنا عيب في الفتاة يعطى زوجها الحق في ردها لما اتخذ ذلك الموقف من الأولياء، ولشجعهم على تصرفهم بالإخبار عما علموا لما في إخفائه من تضييع الحقوق على الأزواج [3] .

مناقشة الاستدلال بتلك الآثار ورد تلك المناقشة:

وقد تناقش تلك الآثار بأن النظر لغشاء البكارة لم يكن كعهده في أيامنا؛ لأن المسلمين في عهود الصلاح لم يكن عندهم مثل تلك الأعراف والعادات التى نشأت فيما بعد في بعض المجتمعات حول أهمية البكارة وسفح دمها ليلة الدخول، ولو أن تلك العادات كانت موجودة في عهد عمر، أو أنه لو كان يعلم من ردود الفعل عند الزوج وأهله وعشيرته مثلما يقع اليوم في بعض البلاد، لما اتخذ ذلك

(1) مصنف عبد الرازق- السابق- والسنن الكبرى للبيهقى- جـ7 - صـ155 - طبعة دار المعرفة ببيروت.

(2) المحلى لابن حزم- جـ10 - صـ28 - مكتبة دار التراث.

(3) د. محمد نعيم ياسين- عملية الرتق العذرى في ميزان المقاصد الشرعية- السابق- صـ110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت