قد يكون عكس ما ذكره المانعون في تلك المناقشة هو الصحيح؛ لأن من تريد الاستمرار في الجريمة لا يعنيها إصلاح غشاء البكارة ولا تفكر فيه، ومن ثم يكون حرصها على إجراء تلك الجراحة دليلًا مؤكدًا على أنها تريد الاستقامة والتوبة، فيتعين الأخذ بيدها على هذا الطريق، ولا يجوز أن يوصد باب التوبة أمامها، والأصل أن يتم تقرير الأحكام من منطلق إحسان الظن بالناس، وليس من جهة سوء الظن بهم، وهذا الأصل يرجح فيمن تحرص على إجراء تلك الجراحة جانب الاستقامة والإقلاع، وليس اقتحام المعاصى كما يقولون.
ثالثًا: من آثار الصحابة:
لقد دلت آثار الصحابة على أنه يجب الستر على من وقعت في المعصية من البنات، وأنه لا يجوز الإخبار عند زوجها بما سبق أن وقع منها من انحراف؛ بل وصل أمر المنع إلى حد العقاب تعزيرًا لمن يفشى سر انحراف فتاة لمن يتقدم للزواج منها، ومن هذه الآثار:
1.ما رواه الشعبى قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين: كنت قد وأدت امرأة لى في الجاهلية وأدركتها قبل أن تموت فاستخرجتها، ثم إنها أدركت الإسلام معنا، فحسن إسلامها، لكنها أصابت حدًّا من حدود الإسلام، فلم نفاجأ إلا وقد أخذت سكينًا تريد أن تذبح نفسها، فاسَتنقذناها بعد أن جرحت نفسها فداويتها حتى برأ كَلمُها، فأقبلت إقبالًا حسنًا، وأن رجلًا يخطبها منى، أفأذكر له ما كان منها؟، فقال عمر: هاه؛ لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يتحدث بها أهل الأمصار، أنكحها نكاح العفيفة المسلمة [1] .
ووجه الدلالة في هذا الأثر على الجواز:
أنه قد دلَّ على وجوب الستر على الفتاة التى سبق انحرافها قبل الزواج؛ بل وتوعد عمر بن الخطاب ولى أمرها إن فعل ذلك بالعقاب الشديد، ولم يقل له: إن ذلك الإفشاء أو الإخبار سوف يمنع الغش، أو أنه من حقوق الخاطب؛ بل قال له: أنكحها نكاح العفيفة المسلمة، والعفيفة: هى ذات البكارة، ومن ثم يكون رتق غشاء البكارة لمن انحرفت أمرًا مطلوبًا بهذا الأثر الصحيح.
وحيث استبان ذلك تبقى مصلحة الستر قائمة بلا منازع فيتعين المحافظة عليها بفعل ما يؤدى لذلك وهو جراحة الرتق العذرى [2] .
2.وما روى عن طارق بن شهاب أن رجلًا خطب من رجل ابنته، وكانت قد أحدثت زنا، فجاء إلى عمر وذكر له ذلك، فقال عمر: ماذا ترى فيها؟، قال: ما أرى إلا خيرًا، قال: فزوجها ولا تخبر .. وفى رواية أخرى أن جارته فجرت وأقيم عليها الحد، ثم تابت وحسنت توبتها وحالتها، فكانت
(1) مصنف عبد الرزاق الصنعانى- جـ6 - صـ246 وما بعدها- الطبعة الأولى سنة 1972م-.
(2) فى هذا المعنى: د. محمد نعيم ياسين- السابق- صـ243، د. محمود الزينى- السابق- صـ148.