الصفحة 26 من 40

محوها، وذلك لما هو مقرر: أن الثابت بيقين لا يزول بالشك، ولهذا كان المراد بالظن هنا: التهمة، ومحل التحذير والنهى مختص بتهمة لا يوجد لها من الأسباب ما يوجبها، وقد دل على ذلك ما بعده، وهو قوله- تعالى-: ... وَلَا تَجَسَّسُوا؛ فإن التجسس لا يقع إلا بعد خاطر التهمة ابتداء، ثم يأتى بعد ذلك ليتحقق من صحة ما وقع فيه من التهمة [1] .

وإذا كان الظن السيئ بالناس ممنوعًا، كان ما يحول دونه مطلوبًا، فكل أمر يقى الناس من الوقوع في سوء الظن يتعين فعله، ومن ذلك إجراء جراحة الرتق العذرى، كما أن زوال الغشاء ليس دليلًا مؤكدًا على الانحراف وسوء الخلق، ومن ثم فإنه لا يجوز أن يكون مدعاة لسوء الظن بها، وحيث كان كذلك فلا مانع من إصلاحه منعًا لهذا السوء.

ثانيًا: من السنة النبوية:

1.بما روى عن أبى هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - قال: (لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة) [2] ، وفى رواية عن مسلم: (من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة) [3] .

ووجه الدلالة في هذا الحديث الشريف على المطلوب:

أن النبى - قد بشر من يستر على الناس في الدنيا بأن يستر الله عليه يوم القيامة، ومن يستر مسلمًا ستره الله في دنياه وآخرته، والبشرى تفيد مشروعية المبشر به وهو الستر على الناس، بفعل كل ما يستر عليهم، ومنه رتق غشاء بكارة الفتاة، فإن في هذا سترًا عليها، والستر مطلوب شرعًا وفقًا لما يستفاد من دلالة الحديث الشريف.

2.وبما روى عن يحيى بن سعيد قال: سمعت محمد بن المنكدر يحدث عن ابن هزال عن أبيه أنه ذكر شيئًا من أمر ماعز للنبى - وعبر له عن سروره بأنه هو الذى شجعه على الإقرار بجريمته حتى أقيم عليه الحد، فقال له النبى: (لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك) [4] .

ووجه الدلالة في هذا الحديث الشريف على المطلوب:

أن النبى - قد وبخ أبا هزال عن تحريضه لماعز بأن يعترف بالزنا مما أدى إلى شيوع أمره وبين له أنه لم يفعل بذلك التحريض ما هو مطلوب شرعًا؛ لأن المطلوب شرعًا هو الستر حتى لا تشيع

(1) سورة النور، الآية: 19.

(2) رواه مسلم بشرح النووى- جـ16 - صـ143 - المطبعة المصرية ومكتبها.

(3) النووى- رياض الصالحين- صـ136.

(4) رواه الإمام مالك في الموطأ- السابق- صـ223.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت