صالحًا، ولا يقتصر حكمه على الإباحة فقط؛ بل قد يكون واجبًا، كما في الكذب على الأعداء في الحرب، فإنه ليس مباحًا؛ بل هو واجب حماية للدين وأرواح المسلمين وإجراء جراحة رتق غشاء البكارة من هذا القبيل؛ لأنه يتمحض عن مصالح غالبة أو خالصة، وذلك في الحالات التى لا ينطوى فيها على غش أو تدليس أو ستر لانحراف في الفتاة، وحيث لم يكن ذلك من قبيل الكذب- أصلًا- فلا يسرى عليه حكمه، ولا يكون حرامًا؛ بل يكون على أصل ما وردت به تلك الحالات الثلاث، وهى الإباحة، أو الوجوب إذا كان المقصود من إجراء الجراحة دفع ضرر محقق لا مناص من دفعه إلاَّ بها.
إن مناط الكذب المحرم هو ستر الحقيقة، وهذا الستر لا محل له في حالة ما إذا كان القصد من الجراحة إزالة فتق لم ينشأ عن انحراف؛ وإنما بسبب تعذر به الفتاة ولا يسوغ محاسبتها عليه كتلك الحالات التى تجرى بها المقادير، وتسوق أحداثًا غير إرادية من قبلها، وتؤدى إلى فتق غشاء بكارتها، فقد روى الزهرى أن رجلًا تزوج امرأة فلم يجدها عذراء كانت الحيضة قد خرقت عذريتها، فأرسلت إليه عائشة- رضى الله عنها: إن الحيضة تذهب العذرة يقينًا، وعن الحسن الشعبى وإبراهيم في الرجل إذا لم يجد امرأته عذراء ليس في ذلك شىء؛ لأن العذرة تذهبها الوثبة، وكثرة الحيض، والتعنيس، والحمل الثقيل [1] ، والتعميم في بيان الحكم غير صحيح؛ كما أن التخصيص فيه بدون مخصص وهو لا يجوز، وعليه يكون الحديث غير دال على المطلوب.
ثانيًا: من المعقول:
وقد استدل القائلون بعدم جواز إجراء تلك الجراحة من المعقول فقالوا:
1.إن رتق غشاء البكارة قد يؤدى إلى اختلاط الأنساب من جهة أن المرأة قد تحمل من الجماع السابق، ثم تتزوج بعد رتق غشاء بكارتها، وهذا يؤدى إلى إلحاق هذا الحمل بالزواج واختلاط الحلال بالحرام [2] .
مناقشة هذا الاستدلال:
وما ساقه المانعون لإجراء تلك الجراحة من هذا الوجه سقيم، ولا يمت لموضوع اختلاط الأنساب بصلة؛ لأن لإثبات النسب أسبابًا محددة في الشرع لا تتوقف على وجود البكارة أو عدم وجودها؛ بل إن البكر قد تحمل في بعض الحالات التى يحدث العلوق فيها من انفلات نطفة الزوج من فتحته التى يخرج منها دم الحيض كل شهر، والبول كل وقت، ومن ثم لا صلة له بإثبات النسب أو باختلاطه، وحيث كان أمره مع النسب كذلك، لا يكون للتمحك في إلصاق جراحة العذرية به معنى، وعلى هذا يتعين رده؛ لأنه يحرم مباحًا، وتحريم المباح مثل تحليل الحرام كلاهما لا يجوز.
(1) المغنى لابن قدامة جـ3 - صـ422 - دار الكتاب العربى بيروت سنة 1986.
(2) د. عز الدين التميمى- السابق- صـ57 وما بعدها، د. إبراهيم رفعت الجمال وآخرون- السابق-، د. محمد الشنقيطى- السابق- صـ404.