الصفحة 21 من 40

المفسدة ويترك وجوه المصالح الكثيرة الموجودة منه، ومثل هذا النظر لا يمكن أن يؤدى إلى حكم صحيح.

ثم إن معنى الحديث لا يفيد ما ذهب إليه أصحاب هذا الرأى؛ فعبارة: فليس منا، جاءت في لفظ لمسلم:"فليس منى"، معناه ليس ممن اهتدى بهدى، واقتدى بعلمى وعملى وحسن طريقتى- كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست منى [1] ، والاهتداء بهديه - يعنى أن يراعى من يقتدى به وجوه المصالح والمفاسد في الأمور، فإن غلبت المصلحة في الشىء على المفسدة أخذ به، وإن كانت الأخرى تركه إعمالا لمنهجه- عليه السلام- في نبذ الفساد والبعد عنه، والذين يقولون إن في إجراء تلك الجراحة غشًّا خالصًا دون أن يبرزوا ما فيها من جوانب المصلحة لم يراعوا هذا الهدى النبوى، وعليه لا يكون هذا الحديث دالًا على ما ذهبوا إليه، وما قيل من أن للزوج حق الفسخ إذا اشترط أن تكون زوجته بكرًا وتبين له خلاف ذلك، فإن هذا القول ليس عملًا بالراجح من أقوال الفقهاء؛ وإنما هو عمل بالرأى المرجوح بل الضعيف والذى يخالف رأى جمهور أهل العلم في المذهب الحنفى والمالكى والشافعى، وأحد قولين للإمام أحمد [2] ، وعلى فرض تساوى القولين، فإنه لا ينكر المختلف فيه، ومن ثم يكون للعمل بالقول الآخر- وجه- يرقى به إلى الجواز.

2.وبما روى عن أم كلثوم- رضى الله عنها- أنها سمعت رسول الله - يقول: (ليس الكذاب الذى يصلح بين الناس فينمى خيرًا أو يبلغ خيرًا) ، متفق عليه، وزاد مسلم في رواية: (قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شىء مما يقول الناس إلا في ثلاث: تعنى الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها) [3] .

ووجه الدلالة في هذا الحديث على المطلوب:

قال الذين لا يجيزون إجراء جراحة رتق غشاء البكارة: إن الكذب حرام بالإجماع؛ لأن المؤمن لا يكون كذابًا؛ ولأن الكذب هو أس جميع الموبقات، وقد بين الحديث أن هناك حالات مستثناة من حرمة الكذب، فيجوز فيها أن يقع، وليست عملية ترقيع غشاء البكارة من بينها، فتكون باقية على أصلها وهو الكذب الذى يستر حقيقة مرة هى ثيوبة الفتاة، ويظهر ما يخالفها وهى البكارة، والكذب حرام، فتكون حرامًا [4] .

مناقشة الاستدلال بهذا الحديث:

ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال، بأن تلك الاستثناءات ليست من قبيل الكذب المحرم؛ لأنها ليست منه، أو ليست كذبًا؛ لأن الكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع على وجه يتمحض ضررًا، فإذا خلا من الضرر، بأن كان لمصلحة غالبة ترجى منه لا يكون من قبيل الكذب المحرم؛ بل يكون عملًا

(1) الشوكانى- السابق- صـ240.

(2) الموسوعة الفقهية الكويتية- جـ8 - صـ180، والمراجع المشار إليها فيها.

(3) النووى- رياض الصالحين- السابق- صـ499.

(4) فى هذا المعنى: د. إبراهيم رفعت الجمال وآخرون- السابق- صـ214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت