ووجه الدلالة في الآيتين: أن الرجل لا يجوز له أن يتزوج ممن ظهر منها الزنا؛ فإذا كان شأنها كذلك فلن يجدى معها ستر أو رتق، وبالتالى لن يستقيم لها إجراء الترقيع العذرى الذى يسترها حتى لا ينقلب إلى أداة لحل ما حرمه الله- تعالى- بقوله: وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [1] ، أى نكاح الزانيات اللاتى اشتهرن بالزنا.
مناقشة أدلة التحريم في تلك الحالة:
وفى نظرنا: إن الأدلة الواردة لهذا القول لا تسلم من المناقشة التى تكشف عن شيوع الوهن بين دلالتها، وذلك كما يلى:
أولًا: إن فيها حكمًا على العاصية بالإعدام والطرد من رحمة الله، مع أن باب التوبة مفتوح والهداية من الله- سبحانه-، قال الله- تعالى-: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [2] ، وقال- سبحانه-: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [3] ، ففى هاتين الآيتين الكريمتين وغيرهما ما يفيد أن باب الهداية مفتوح لمن يشاء الله له ذلك، ولا حرج على فضل الله الذى يؤتيه من يشاء، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا ما عدا الإشراك به، لقوله- تعالى-: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [4] ، وإذا كان الله قد فتح باب الرحمة والمغفرة لعباده العصاة والمذنبين فلا يجوز أن يغلقه عباده في وجه بعضهم، وقد جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - قال: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) [5] .
ومن المؤكد أن هذه الأدلة وغيرها تفيد أن قطع الرجاء في إصلاح حال من اعتدن الإجرام أمر ينافى مقصد الشارع من إيرادها، فلا يجوز منع ما يفتح باب الأمل أمامهن.
ثانيًا: أن النبى - نهى عن معونة الشيطان على العصاة؛ وذلك لمساعدتهم على الاستقامة حتى ولو اشتهر أمر انحرافهم؛ بل حتى ولو أقيم عليهم الحد بأسلوب العلانية التى تحقق شهرة انحرافهم، فقد روى عن أبى هريرة قال: (أُتى النبى - برجل قد شرب، فقال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه؛ فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان) [6] ، ووجه الدلالة في هذا الحديث على المطلوب قوله: (لا تعينوا عليه الشيطان) ، فإن مفاد هذا النهى يدل على أن واجب المجتمع أن يأخذ بيد من اشتهروا
(1) سورة النور، الآية: 3.
(2) سورة الزمر، الآية: 53.
(3) سورة البقرة، الآية: 272.
(4) سورة النساء، الآيتان: 48، 116.
(5) متفق عليه، راجع: النووى- رياض الصالحين- السابق- صـ189 وما بعدها.
(6) رواه البخارى، وأحمد، وأبو داود، راجع: نيل الأوطار للشوكانى- جـ5 - صـ156 - طبعة الحلبى.