الجراحة أن تتيح للطبيب قدرًا كافيًا من الوقت الذى يستطيع أن يوازن فيه بين المصالح والمفاسد في إجرائها، أو أن يمارس الدور الأخلاقى الذى يمليه عليه واجبه كطبيب مسئول عن ممارسة الحكمة متزامنة مع ممارسة المهنة، وقد يستطيع الطبيب- من خلال ثقة المريض فيه وإدلائه بالأسرار المتعلقة بخصوصيات حياته أمامه- أن يجد مدخلًا للتوجيه الذى يؤمن كثيرًا من المحظورات التى يثيرها إجراء جراحة رتق غشاء البكارة.
رابعًا: أن الجراحة التى تجرى لرتق غشاء البكارة، شأنها شأن أى جراحة أو عمل طبى ينطوى على المفاسد والمصالح؛ بل لا يوجد من مصالح الحياة ما هو خال تمامًا من المفسدة سوى الإيمان بالله واتباع هديه، وعليه، فلو أن إجراء تلك الجراحة قد تزامن مع بعض المفاسد التى تتعارض مع المصلحة في إنجازها، فإنه لابد من الترجيح بين المصالح والمفاسد فيه وفقًا للمعايير الفقهية المقررة، ومنها تلك التى تقضى بأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة [1] ؛ فإذا تعارضت مفسدة مع مصلحة قدم دفع المفسدة غالبًا؛ لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات؛ ولذا قال: (إذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه) [2] ، يقول ابن نجيم: ومنه الكذب فإنه مفسدة محرمة؛ لكنه متى تضمن جلب مصلحة تربو على مفسدته جاز، كالكذب للإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لإصلاحها، وهذا النوع راجع لارتكاب أخف المفسدتين في الحقيقة [3] .
خامسًا: لا يسوغ القول- في مجال إجراء تلك الجراحة- بأن مصلحة الفتاة أو المرأة فردية، ومصلحة شيوع الفحش في المجتمع والتشجيع عليه مصلحة عامة، وأنه إذا تعارضت المصلحتان قدمت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فإن مثل هذا التخريج لو حصل لن يصيب مقصد الشارع من حماية النفس والعرض، فإن حماية نفس واحدة إنما هو بمثابة حماية لأنفس الناس جميعًا، والتعدى على نفس واحدة بمثابة تعد على أنفس الناس جميعًا، وهذا هو المقصود الشرعى بقول الله- تعالى-: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [4] ، وحماية العرض تجئ وفقا لحماية النفس لتساوى المصالح فيهما، وهذا ما يفيده حديث النبى: (إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم) [5] ؛ فجعل حرمة العرض وما يعنيه من المحافظة على كرامة صاحبه وسمعته مقارنًا لحرمة النفس؛ وهذا يدل على أن الأحكام التى تتعلق بالمحافظة عليها تسرى عليه، للمساواة بينهما؛ ولأن المصلحة المتعلقة بالمرأة في إجراء تلك الجراحة تَرقى على المصلحة العامة المتعلقة بحق الله- سبحانه-؛ لأن تلك الأخيرة مبناها على الصفح والمغفرة، وصاحبها وهو الله؛ أرحم بعبده من
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم- صـ98 وما بعدها- طبعة المكتبة التوفيقية، والقواعد الفقهية للدكتور على أحمد الندوى- صـ17 - طبعة دار القلم بدمشق.
(2) رواه مسلم، وأحمد، ووالنسائى، وأخرجه مسلم والنسائى والدارقطى- راجع: إرواء الغليل للألبانى- جـ4- صـ149 - طبعة المكتب الإسلامى.
(3) ابن نجيم- السابق- صـ99.
(4) سورة المائدة، الآية: 33.
(5) النووى- رياض الصالحين- صـ117 وما بعدها- طبعة المكتب الإسلامى.