فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 78

لقد رأى أبناء تلك الشعوب المغلوبة على أمرها من قبل حكوماتهم الظالمة أن هؤلاء المسلمين لايقدسون كبراءهم وأمراءهم كما هو الحال في بلادهم مع ملوكهم , بل كانوا يجلسون سواء ويأكلون سواء , والأمثلة الرائعة التي ضربها الصحابة رضي الله عنهم من أنفسهم لايمكن حصرها, من ذلك أن الفرس جاؤوا إلى"أبي عبيد بن مسعود الثقفي"قائد المسلمين في معركة الجسر - بأنواع من الأطعمة المحبوبة عند الفرس فقال لهم أبو عبيد: أأكرمتم الجند بمثله وقَريتموهم ؟ قالوا: لا , فردَّه , وقال: لاحاجة لنا فيه , بئس المرء أبو عبيد إن صحب قوما من بلادهم أهرقوا دماءهم دونه أو لم يهريقوا فاستأثر عليهم بشيء يصيبه , لا والله لايأكل مما أفاء الله عليهم إلا مثل مايأكل أوساطهم (1) .

لقد كان أبو عبيدة رائعا حقا حينما مَثَّل الأخلاق الإسلامية في أسمى صورها , فرسّخ في أذهان هؤلاء الناس أن المسلمين ليسوا كسائر الناس يختلف ولاتهم وأغنياؤهم عن أوساطهم وفقرائهم في أنماط الحياة , بل إن دعوة التوحيد جعلتهم جميعا عبيدا أمام الله تعالى , وأعظمهم عبودية لله جل وعلا وأقربهم إليه من كان أكثر تواضعا لعباده ورحمة بهم, ولاشك أن إشاعة مثل هذه المعاني الكريمة كان لها الأثر البالغ في انتشار الإسلام بين الأعاجم لأنها أمور تلفت النظر وترفع من شأن العامة , وهم الكثرة الكاثرة في المجتمع .

هذا وإن لهذه المعاني السامية من مكارم الأخلاق أثرا فعالا في عقد الأخوة الإسلامية وتثبيتها .

(1) ... تاريخ الطبري 3/452 - 453 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت