ولو أن هذه التصرفات من تثبيت أمير تم عزله وتثبيت آخر ثم تكليف الأول بالمسؤولية .. لو أن ذلك تم بين أبناء الدنيا وطلاب الجاه لوجدنا الغيرة تُبرز قرونها والحسد يرسل لهيبه فيحرق الأخضر واليابس, ولسادت الفوضى وعم الفساد , لأن القائد الأخير سيتكبر عن استشارة القائد الأول , والقائد الأول سيكتم خبرته ومواهبه حتى لاتكون سببا في نجاح القائد الثاني , والنتيجة تكون في انحدار مستوى العمل وخسارة الأمة .
وقد وقعت الأمة الإسلامية في كثير من أطوار تاريخها ضحية لمثل هذه الأمراض الخلقية , منذ أن ذهب ذلك الرعيل الأول الذي تغذى بغذاء الإيمان وآثر الآخرة على الدنيا .
ومن هذه الحادثة وأمثالها ندرك كيف أن خُلق الإيثار كان حاميا للأمة من الوقوع في نكسات خطيرة ربما غيرت مجرى حياتها وقضت على كثير من ثمرات الإصلاح الذي لم يتم إلا بجهاد طويل .
وكذلك نرى سائر مكارم الأخلاق كالكرم والوفاء وبشاشة الوجه من أقوى العوامل لبناء الأخوة الإسلامية , بل إن هذه الأخلاق الكريمة هي التي سببت دخول كثير من الناس في الإسلام خصوصا الأعاجم الذين لايفهمون لغة القرآن , وبالتالي انعقد الإخاء العالمي بين الأمم تحت ظلال دعوة التوحيد , فقد كان للمعاملة الكريمة والأخلاق القويمة التي يتحلى بها الصحابة رضي الله عنهم حتى مع أعدائهم أبلغ الأثر في انجذاب الناس لهذا الدين حيث كانوا لايكْذبون إذا وعدوا ولايغدرون إذا عاهدوا ولاينتهكون الأعراض ولاينتهبون الأموال من الآمنين , بل قد كان كثير من أبناء الشعوب المغلوبة يأمنون المسلمين الفاتحين على أعراضهم وأموالهم أكثر مما يأمنون أبناء بلادهم .