فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 78

وخالد يلوم أخاه أبا عبيدة أن أسرّ في نفسه هذا التكليف ولم يبلغه إياه في حينه , وهو لايريد أن يتقدم أبا عبيدة بشيء إلا أن يكون ذلك تكليفا من قِبَل الخليفة فالطاعة إذًا واجبة على الجميع .

وهنا تبدو لنا روح الطاعة والتجرد من حظ النفس لدى هؤلاء الأماجد الكرام , فقد وجَّه أبو بكر خالدًا لأعنف حروب الردة , فتوجه لها طائعا مختارا , وكان كذلك في حروب العراق , حتى إذا كان من فتح المدائن قاب قوسين أو أدنى صدر التوجيه له إلى الشام فسلَّم طائعا مختارا.

وأبو عبيدة بعد أن كان أمير الشام وقائد جيوشها يصبح قائد جيش واحد فيسلِّم الأمر لخالد طائعا مختارا , ثم يرجع بعد ذلك أميرا عاما فلا يزيد شيئا أمام نفسه , بل يتقبل التكليف ببطء ويعلن زهده في الدنيا ومناصبها , ويشير إلى خطورة المسؤولية إلا على من عصمه الله تعالى , ثم يعود خالد جنديا مطيعا لأبي عبيدة فيوجه حيثما وجهه .

وأمرٌ آخر في غاية الأهمية وهو أن خالدا بقي عند أبي عبيدة في أعلى مكانة فكان لايتقدم خطوة إلا بمشورة خالد , حتى كأن خالدا لم يفقد شيئا من سلطته الأولى , وخالد لم يبخل بخالص الرأي والمشورة على أبي عبيدة , فكان وضعهما الإداري طيلة عملها في أعلى وضع يمكن أن يتصوره الإنسان من مكارم الأخلاق .

وماهذه إلا لمحات موجزة عن تشخيص السمو الأخلاقي الذي بلغه هذان العملاقان, ولو تعمق الدارس في طريقة العمل بينهما لخرج بنتائج باهرة تعدُّ مُثلًا عالية للأسوة الحسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت