فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 78

وإنا لنلمس نتائج هذا الخلق العظيم الواقعية في حياة الصحابة رضي الله عنهم ويكفي أن نضرب مثلا واحدا من عملهم بإيثار مصلحة الإسلام والمسلمين على المصالح الخاصة , فهذا أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه يرسل الخليفة عمر رضي الله عنه كتابا بتوليته القيادة العامة لجيش المسلمين وعزل خالد بن الوليد من الإمرة على جيوش الشام , ويتباطأ أبو عبيدة في إبلاغ خالد بذلك إيثارًا للمصلحة العامة وزهدًا في المنصب وتدور بينهما محاورة جليلة القدر عظيمة النفع للمسلمين .

فقد علم خالد بأمر عزله فأقبل حتى دخل على أبي عبيدة فقال: يغفر الله لك , أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية فلم تعلمني وأنت تصلي خلفي والسلطان سلطانك ؟ فقال أبو عبيدة: وأنت يغفر الله لك, ماكنت لأعلمك ذلك حتى تعلمه من عند غيري , وماكنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كله , ثم كنت أعلمك إن شاء الله , وما سلطان الدنيا أريد , وما للدنيا أعمل , وإن ماترى سيصير إلى زوال وانقطاع , وإنما نحن إخوان وقُوّام بأمر الله عز وجل , ومايضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه ولادنياه , بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة وأوقعهما في الخطيئة لِمَا يعرض له من الهلكة , إلا من عصم الله عز وجل وقليل ماهم .

ودفع أبو عبيدة كتاب عمر إلى خالد (1) .

ولنتأمل فيما جرى من هذين العملاقين لنتعلم منهما دروسا بالغة الأهمية في حياتنا العملية .

فهذا أبو عبيدة يؤثره عمر بالولاية العامة في الشام فيزهد بها ويتأخر في إبلاغ خالد بذلك إيثارًا للمصلحة العامة حتى تنقضي المهمة التي خطط لها خالد , ثم يعرض الأمر , وهو يفهم حقيقة الولاية فهما تاما , فهي مغرم وليست بمغنم , والسعيد من لم يُبتلَ بها , لكن من ابتلي بها فعدل ونصح فهي خير في الدنيا وثواب جزيل في الآخرة .

(1) ... الفتوح لابن أعثم 1/158 , فتوح الشام للأزدي /102 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت