وإنا لنلمس نتائج هذا الخلق العظيم الواقعية في حياة الصحابة رضي الله عنهم ويكفي أن نضرب مثلا واحدا من عملهم بإيثار مصلحة الإسلام والمسلمين على المصالح الخاصة , فهذا أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه يرسل الخليفة عمر رضي الله عنه كتابا بتوليته القيادة العامة لجيش المسلمين وعزل خالد بن الوليد من الإمرة على جيوش الشام , ويتباطأ أبو عبيدة في إبلاغ خالد بذلك إيثارًا للمصلحة العامة وزهدًا في المنصب وتدور بينهما محاورة جليلة القدر عظيمة النفع للمسلمين .
فقد علم خالد بأمر عزله فأقبل حتى دخل على أبي عبيدة فقال: يغفر الله لك , أتاك كتاب أمير المؤمنين بالولاية فلم تعلمني وأنت تصلي خلفي والسلطان سلطانك ؟ فقال أبو عبيدة: وأنت يغفر الله لك, ماكنت لأعلمك ذلك حتى تعلمه من عند غيري , وماكنت لأكسر عليك حربك حتى ينقضي ذلك كله , ثم كنت أعلمك إن شاء الله , وما سلطان الدنيا أريد , وما للدنيا أعمل , وإن ماترى سيصير إلى زوال وانقطاع , وإنما نحن إخوان وقُوّام بأمر الله عز وجل , ومايضر الرجل أن يلي عليه أخوه في دينه ولادنياه , بل يعلم الوالي أنه يكاد أن يكون أدناهما إلى الفتنة وأوقعهما في الخطيئة لِمَا يعرض له من الهلكة , إلا من عصم الله عز وجل وقليل ماهم .
ودفع أبو عبيدة كتاب عمر إلى خالد (1) .
ولنتأمل فيما جرى من هذين العملاقين لنتعلم منهما دروسا بالغة الأهمية في حياتنا العملية .
فهذا أبو عبيدة يؤثره عمر بالولاية العامة في الشام فيزهد بها ويتأخر في إبلاغ خالد بذلك إيثارًا للمصلحة العامة حتى تنقضي المهمة التي خطط لها خالد , ثم يعرض الأمر , وهو يفهم حقيقة الولاية فهما تاما , فهي مغرم وليست بمغنم , والسعيد من لم يُبتلَ بها , لكن من ابتلي بها فعدل ونصح فهي خير في الدنيا وثواب جزيل في الآخرة .
(1) ... الفتوح لابن أعثم 1/158 , فتوح الشام للأزدي /102 .