وهذه النظرة تعطي مفعولها المؤثر حينما يوجد المجتمع الإسلامي الذي تسود فيه مفاهيم الإسلام بحيث يكون التكريم والإجلال للملتزمين بالإسلام , والتحقير والإهانة للمفرطين فيه فيضطر المفرط إلى أن يلتزم بالأحكام الإسلامية الظاهرة حياء من المسلمين الملتزمين وطلبا للحظوة في المجتمع الإسلامي الذي يُعلي من شأن الملتزمين .
وقد يترك المسلم المَفرِّط الذنوب حياء من الناس في حال سيادة مفاهيم الإسلام ثم يتركها بعد ذلك تدينا كما رُوي عن الجراح بن عبد الله الحكمي فارس أهل الشام في زمنه أنه قال: تركت الذنوب حياء أربعين سنة ثم أدركني الورع , وقال بعض العقلاء: رأيت المعاصي نذالة فتركتها مرؤة فاستحالت ديانة (1) .
وهذا الحياء له نفعه في هذه الحال عند وجود العرف الاجتماعي الإسلامي الذي يجبر على الالتزام بالفضائل واجتناب الرذائل .
أما إذا تحول العرف الاجتماعي إلى سيادة مفاهيم الجاهلية فإن هذا الحياء يخدم العرف الاجتماعي الجاهلي , فيحاول صاحبه أن لايخالف ماتعارف عليه الناس وإن كان في قرارة نفسه غير مقتنع بما تعارف عليه مجتمعه .
ولقد بين الله سبحانه وتعالى الحكمة من تفريق الناس إلى شعوب وقبائل وهي التعارف بينهم حيث يقول الله تعالى [الحجرات:13] أي ليعرف بعضكم بعضا بنسبه لا لتجعلوا الأنساب معيارًا للكرامة .
ومسألة الحفاظ على شرف القبيلة أمر مركوز في النفس بالنسبة للمجتمع القبلي وهو وإن كان موجودًا بالنسبة للمجتمع المدني إلا أنه لايبلغ في العمق والصلابة مايبلغه في المجتمع القبلي . وهذا الأمر له سلطان قوي في كبح جماح النفس عن الوقوع في حومة الرذيلة قد يفوق سلطان الوازع الذاتي المبني على الإيمان برقابة الله عز وجل بالنسبة لضعفاء الإيمان كما سبق .
(1) ... جامع العلوم والحكم /175 .