شكلية لا تنهى عن فحشاء ولا تحض على معروف، ولا تحفز إلى تآزر، أو تراحم، أو تعاون على بر، أو دفاع عن مثل وقيم ومبادئ، عبادات وصفها الله سبحانه بقوله: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) الأنفال 35
لذلك تجد العالم ميت القلب ينهى عن المنكر ويغشاه، ويأمر بالمعروف ولا يأتيه، يبشر بالتميز وهو غارق في التحيز، يشتم الظالمين سرا ويواليهم ويخدمهم جهارا، وعظه وإرشاده بهرج خطابي زائف، واحتراف لمصلحة من يدفع، كل همه قرب من الأمراء، ومماراة للسفهاء، وصرف لوجوه الناس إليه، كما هو حال بعض العلماء المعاصرين المعروفين لدى الخاص والعام ممن لم ينج من مدحهم وتزلفهم حاكم، ولم يخل من اقعائهم وانبطاحهم مجلس سلطان.
وهذا يكشف عن خطأ جسيم وقعت فيه بعض الحركات الإسلامية المعاصرة التي ركزت على الجانب التعليمي دون الجانبين الأخلاقي والروحي، وبدل أن تكون منارات لتخريج الدعاة الصادقين والمؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، تحولت إلى معاهد يلتحق بها إلى جانب الطالب الصادق الطالب البارد والخبيث والجبان والخائن، والوصولي والمرتزق والنذل والوضيع، لا يكاد يتميز أحدهم عن غيره إلا بما يحفظه من نصوص، وما يتقنه من فنون القول والحذلقة والتفيهق، حتى إذا جاءت ساعة الرجولة والشهامة والنجدة ارتكسوا في الفتن (صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة) الحاقة 7.
وهذا أيضا يشير إلى إحدى نقاط ضعف المبادئ الوضعية والمناهج المادية كالشيوعية مثلا، لأنها باقتصارها على مخاطبة العقول عجزت عن إثارة حماس الأتباع والمريدين ودفعهم إلى مجابهة خصومها والموت في سبيلها، رغم ما اتخذته من أساليب للإقناع والتشجيع، حوارا وجدلا وتحليلا وأدلة عقلية وإغراء ورشوة، فلجأت إلى"الحقد الطبقي"، وهو عاطفة قلبية، تستثيره ضد المستغلين؛ ولكنه لم يكن كافيا لحمل الناس على التضحية والفدائية والموت. وكانت نهاية المطاف إعلان الهزيمة أمام المعسكر الرأسمالي الذي وظف أخس العواطف البشرية الدنيئة المتعلقة بالمال واللذة وشهوات النفس.
لكن استعمال القناة القلبية ـ وإن كانت هذه وظيفتها ـ ينبغي أن يضبط طاقة ومجالا؛ لأن الإسراف في الاعتماد عليها وتعميم استخدامها، وتسيب توجهاتها يؤدي إلى مخاطر جسيمة على الفرد والمجتمع والأمة والإنسانية كافة.