أول هذه المخاطر الخروج عن السواء الذي هو المعبر الرئيسي إلى الدروشة والخرافة والشعوذة، ثم الشرك والكفر والخيانة، كما هو ملاحظ لدى بعض الطرقيين والمبتدعة والقبوريين والعملاء طيلة عهود الانحراف والذلة والخضوع للأجنبي. لذلك كان لزاما أن يضبط القلب وما يصدر عنه بثلاثة ضوابط: الكتاب، والسنة الصحيحة، والعقل.
بالكتاب والسنة الصحيحة ينجو المرء من الانحراف العقدي والفكري والعبادي والسلوكي، لأنه يقتصر في تلقي الغيبيات والأحكام والعبادات على مصدرين وحيدين لا ثالث لهما. فكل ما لم يرد في القرآن الكريم ولم يرو صحيحا عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا يؤخذ به. وكل ما أفتى به شيخ أو رآه أو أمر به فقيه أو عالم من غير الكتاب والسنة الصحيحة لا يعتد به. وكل ما رئي في المنام، أو ألقي في أمنية امرئ مما دعي إشراقا، أو إلهاما، أو إضافة إلى التشريع أو العبادة أو ما شابه ذلك، ليس إلا تلبيسا وشيطنة وضلالا. وكل ما سكت عنه القرآن الكريم والسنة النبوية يكون الاحتكام فيه إلى العقل، ولكنه العقل الرباني الرشيد الذي ينظر بنور الشرع في حدود مجاله وطاقته، مؤثرا المصلحة العامة على الخاصة، وبقاء الأمة على بقاء الفرد، وعلو شأن الجماعة على علو شأن الأفراد والطوائف.
إننا بالقلب موجها بالكتاب والسنة والعقل الرباني، وبالعقل مضبوطا بالكتاب والسنة والقلب الحي، ننفي عن الإسلام وحركته الحضارية العالمية، وعقيدته الربانية السمحة، وشريعته الفذة العادلة كل شائبة تشين نظامه ومناهجه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) . ومعلوم أن الغلو والانتحال والإبطال والتأويل الجاهل بالعقل السائب والقلب الميت.
إن كل خلط أو خلل في استخدام قناتي القلب والعقل، كاستعمال احداهما مكان الثانية، أو استخدام واحدة فقط في مجال لا بد من اشتراكهما فيه يؤدي بالضرورة إلى خلل في المفاهيم و التصورات، وفساد في النوايا والمنطلق والأهداف والغايات، وانحراف في الأعمال والتصرفات، فيضطرب بذلك المجتمع وتهتز أركانه ويرتكس في الفتن.
إن استخدام العقل والقلب في مجاليهما وحدود طاقتيهما وبضوابطهما الشرعية، يعصم من الانحراف ذات اليمين وذات الشمال، فيحفظ للأمة تماسكها ويوجه طاقتها نحو العزة