و ختاما لموضوع التاريخية أقول: أولا إن القرآن الكريم أشار إلى وجود التاريخية التي تحكم التاريخ البشري ، عندما أخبرنا بأن الله تعالى أنزل كتبا و شرائع كثيرة على أقوام كثيرين في التاريخ ، لم يجعلها فيهم خالدة ، و إنما جعلها محدودة الزمان و المكان ، كقوله تعالى: - {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} - سورة المائدة/48- . ثم أشار من جهة أخرى إلى اللاتاريخية عندما ختم رسالاته السموية بنبوة رسوله محمد -عليه الصلاة و السلام- ، و جعل شريعته هي الشريعة الخاتمة الخالدة التي تصلح لكل زمان و مكان .
و ثانيا إن القرآن الكريم أشار إلى التاريخية عندما خاطب الكفار بأن الله أرسل إليهم رسوله محمدا-صلى الله عليه وسلم- برهانا و آية لهم ، فهو بشر مثلهم يأكل الطعام و يمشي في الأسواق ، لكنه مع ذلك يختلف عنهم بأنه رسوله إليهم ، قال تعالى: - {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} - سورة الكهف/110- . و أنزل عليه كتابه المعجز الذي تحداهم به بأن يأتوا بمثله ، فعجزوا عن رد التحدي ، الذي ما يزال قائما إلى يومنا هذا ، و إلى أن يقوم الناس إلى رب العالمين . و بذلك يكون القرآن الكريم قد أشار إلى التاريخية من خلال جوانب من حياة الرسول-عليه الصلاة و السلام- ،و أشار إلى اللاتاريخية في نبوته و دعوته و رسالته الخالدة ، ليُثبت بذلك صدق نبوة رسوله ، باستخدامه للتاريخية لإثبات لا تاريخية القرآن الكريم ، و نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- .