و إضافة إلى ما ذكرناه -عن تاريخية أركون- فإن هذا الرجل متناقض مع نفسه في تعامله مع القرآن الكريم ، و إصراره على تطبيق التاريخية عليه ، فهو أولا سبق أن ذكرنا أنه زعم بأن القرآن محكوم بتاريخيته و لحظة ظهوره ، و هذا يعني أنه محكوم بالظرفين الزماني و المكاني ، لا يتجاوزهما مطلقا ، لكنه من جهة أخرى نجده يعترف بأن من خصائص القرآن الأساسية ، قابليته على توليد و إعطاء المعاني باستمرار (1) . فهذا اعتراف منه بأن القرآن من خصائصه القدرة على العطاء المستمر ، و هذه الخاصية-هي بلا شك- ، من أهم خصائصه في استعصائه على التاريخية ، و قدرته على المواكبة و الإيجابية ،و الاستمرارية و العطاء ، و هو أمر مما يُبطل محاولات أركون الرامية إلى فرض التاريخية على القرآن الكريم .
و ثانيا إنه اعترف بأن القرآن (2) يطرح على علماء العلوم الإنسانية تحديات ، عليهم أن يرتفعوا إلى مستواها ، أو يردوا عليها (3) . فهذا اعتراف خطير منه ، و كلمة حق قالها ، تُعبر عن تحدي القرآن للإنسان . و اعترافه هذا ينقض عليه زعمه بخضوع القرآن للتاريخية ، فلو كان يخضع لها ما تحدى العرب الذين نزل فيهم القرآن ، و ما استطاع أن يتحدى العالم بأسره إلى يومنا هذا . فهل كتاب هذا حاله يُقال فيه بأنه خاضع لحتمية التاريخية المزعومة ؟ .
(1) الفكر الإسلامي ، ص: 274 .
(2) لم يسم أركون القرآن باسمه ، و إنما سماه: الخطاب النبوي . الفكر الأصولي ، ص: 71 . و هذه هي عادته في تحريفه للمصطلحات الشرعية ،و غروره بكثرة استخدام المصطلحات .
(3) نفسه ، ص: 71 .