كما أن زعمه بأن الاستشهاد بالنص يستلزم زمكانا خاصا ، هو زعم غير صحيح في الغالب الأعم ، لأن الأحكام و الأوامر و الشريعة عامة ، بعدما نزلت تجرّدت عن الملابسات الزمانية و المكانية ، التي كانت تُحيط بها ، لذا فإن من المعروف في الأصول: أن العبرة بعموم اللفظ و ليس بخصوص السبب . و مثال ذلك أسباب نزول آيات تحريم الحمر ، فالتحريم لم يكن مرتبطا بالظروف ، و إنما كان مرتبطا بفعل شرب الخمر ، فالتحريم نزل في ظروف معينة ، فزالت هذه الظروف و بقي التحريم قائما مستمرا مرتبطا بشرب الخمر ، و ليس بالظروف الزمانية و المكانية التي ظهر فيها . و نفس الأمر يُقال عن تحريم الزنا و السرقة ، و باقي الأحكام الشرعية ، اللهم إلا الأحكام التي نص الشرع على أنها كانت ظرفية ثم نُسخت ، أو أنها كانت خاصة برسول الله -عليه الصلاة و السلام .
و أما حكاية الخيال و العقل الديني ، فهذا وهم و ظن، لأن المسلم يتلقى الأحكام الشرعية من الكتاب و السنة الصحيحة ، و لا دخل لحكاية الخيال و المخيال ، و العقل الديني . اللهم إلا في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها ، فإن العالم المسلم يجتهد للوصول إلى الحكم الشرعي ، معتمدا على الشرع أولا ، ثم العقل ثانيا ، و لا يعتمد على الأوهام و الأهواء ، و الخيالات ، و هذا أمر جاء به الشرع و حث عليه ، و مارسه علماء الإسلام منذ ظهور الإسلام إلى يومنا هذا .
و مما له علاقة بموضوع التاريخية ، إنه-أي أركون- وصف مقولة: (( الإسلام صالح لكل زمان و مكان ) )، بأنها صرامة عقائدية جامدة للتصورات القديمة الموروثة عن الإسلام ، الأمر الذي جعله مستعصيا على التاريخ ، لأنه فوق الزمن و الواقع التاريخي (1) .
(1) الإسلام ، أوروبا ، ص: 13 .