فالرسول -عليه الصلاة و السلام- ترك القرآن كله محفوظا في الصدور ، و مكتوبا في السطور ، و مجموعا عند كثير من أصحابة في مصاحف خاصة بهم . لكنه لم يتركه مجموعا كاملا في كتاب واحد عنده ، اعتمادا على النُسخ الأصلية التي كتبت بين يديه ، و هي عملية ليست صعبة و لا مكلفة ، فكانت تكفي منه كلمة واحدة لجمعه ، فيُجمع في طرفة عين ، لكنه لم يأمر بذلك ! . فلماذا إذًا فعل الصعب و ترك السهل ؟ ، و لماذا لم يأمر بجمعه في كتاب واحد يبقى عنده ؟ . لا شك أن رسول الله لم يترك ذلك نسيانا و لا إهمالا ، وإنما يبدو أنه فعل ذلك لجملة أمور ، منها إن الحاجة في زمانه لم تكن داعية إلى جمعه كله في كتاب واحد . و إنه عليه الصلاة و السلام لم يكن متخوفا على القرآن من الضياع ، لأن الله تعالى تكفل بحفظه ، و لأنه -أي الرسول- كان يعلم أنه تركه محفوظا مكتوبا عند صحابته الكرام الأمناء الأوفياء الذين شهد لهم الله و رسوله بالإيمان و العمل الصالح .
و منها أيضا يبدو أن الله تعالى أراد أن يُكرم صحابة رسول الله -عليه الصلاة و السلام - بأن يُشركهم في حفظ كتابه بعد وفاة رسوله ، رفعا لمكانتهم ،و تعبيرا عن رضاه عنهم ، و إبرازا لمكانتهم في حفظ الدين ، و الله تعالى أعلم بالصواب .
و أما الخطأ الثالث فيتعلق بما قام به عثمان-رضي الله عنه- في توحيد المصحف الشريف ، فقد زعم أركون أن عثمان اتخذ (( قرارا نهائيا بتجميع مُختلف الأجزاء المكتوبة سابقا ،و الشهادات الشفوية التي أمكن التقاطها من أفواه الصحابة الأول ) )، فأدى ذلك إلى تشكيل نص متكامل فُرض نهائيا بأنه المصحف الحقيقي لكل كلام الله (1) .
(1) تاريخية الفكر العربي ، ص: 288 .