و الشاهد العاشر يتمثل في كثرة كُتاب الوحي ، فقد اتخذ النبي-عليه الصلاة و السلام- كُتابا كثيرين ليكتبوا له الوحي ، أشهرهم: زيد بن ثابت ، و أُبي بن كعب ، و الخلفاء الأربعة ، و أبان بن سعيد بن العاص ، و عثمان بن خالد بن سعيد ، و عبد الله بن الأرقم ، و عبد الله بن رواحة ، و قد قُدر عددهم الإجمالي بأربعين كاتبا (1) . فهذا العدد الكبير دليل قاطع على حرص رسول الله على تدوين القرآن كله ، فعندما يغيب واحد أو بعضهم يخلفهم الحاضرون ، و لو لم يكن حريصا لاتخذ واحدا أو اثنين أو حتى ستة ، و بما أنه اتخذ ذلك العدد الكبير من كتاب الوحي دل على أن عملية التدوين كانت مُنظمة ، و شاملة للقرآن كله ،و أن عملية النسخ عن الأصل كانت جارية يُمارسها كُتاب الوحي ، و غيرهم ،و الشاهد الرابع الذي سبق ذكره يُؤيد ما قلناه هنا .
و أما الشاهد الأخير-أي الحادي عشر- فيتمثل في كثرة الصحابة القراء الذين تخصصوا في قراءة القرآن و حفظه ،و فهمه و مدارسته، فقد كان عددهم كبيرا ، بدليل أنه قُتل منهم في حادثة بئر معونة زمن النبي: 70 رجلا من القراء . و قُتل منهم في معركة اليمامة سنة 11 هجرية ، نحو 500 رجل (2) .و هذا العد الكبير من القراء يخص الذين استشهدوا ، و لا يخص الأحياء ، و هم كلهم تكونوا زمن رسول الله -عليه الصلاة و السلام - ، مما يدل على أن النبي كون عددا كبيرا من المختصين في القرآن حفظا و فهما و تدريسا ، و هذه العملية تستلزم وجود القرآن كله مكتوبا مدونا في مصاحف كثيرة جدا ، للقيام بعملية التحفيظ و الإقراء و المدارسة .
(1) ابن كثير: البداية ، ج 5 ص: 339 ، و ما بعدها . و ابن حجر: الفتح ، ج 9 ص: 22 . و صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن ، ص: 69 .
(2) ابن كثير: فضائل القرآن ، ص: 32 . و البخاري: الصحيح ، ج 4 ص: 1500 ، 1720 .