فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 613

و المثال الثالث يتمثل في أن رسول الله-عليه الصلاة و السلام- عندما هاجر إلى المدينة مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- ، أخذ معه أدوات الكتابة ، من قلم و رقاع ، و عندما أدركهم سراقة بن مالك في مطاردته لهما ، و أراد سراقة الرجوع ، سال رسول الله بأن يكتب له كتابا ، فأمر النبي عامر بن فهيرة بأن يكتب له ذلك ، فكتب له ما أراد (1) . فهذه الحادثة دليل على أن رسول الله كان حريصا على تدوين القرآن عند نزوله ، حتى و إن كان مهاجرا فارا بدينه من الكفار ، لأنه لم يحمل معه أدوات الكتابة إلا ليدون القرآن في أي مكان نزل عليه .

و المثال الثالث يتمثل في أن الصحابي رافع بن مالك الأنصاري -رضي الله عنه- ، عندما لقي رسول الله-صلى الله عليه وسلم- بالعقبة أعطاه ما أُنزل عليه من القرآن في العشر سنين التي خلت ، فقدم به رافع إلى المدينة (2) . فهذا الخبر شاهد على أن القرآن الذي كان قد نزل على رسول الله ، كان مكتوبا ، لأنه لو لم يكن مُدونا فلا معنى أن يُعطيه له الرسول ليأخذه معه إلى المدينة ، و ما ذا يُعطيه ، و المحفوظ لا يُعطى ؟ ، كما أن رافعا ليس في مقدوره أن يحفظ القرآن كله في مدة بيعة العقبة القصيرة . و لماذا يُتعب نفسه لحفظه في هذه المدية القصيرة ، و رسول الله و الصحابة الأوائل يحفظونه ،و هم سيُهاجرون إلى المدينة قريبا ؟ ، فكان يكفيه حفظ بعض السور أو كتابتها و يأخذها معه ريثما يأتي هؤلاء . و بناء على ذلك فإن معنى: أعطاه ما أُزل عليه ، هو أن النبي -عليه الصلاة و السلام- أعطاه كل ما أُنزل عليه من القرآن مكتوبا مُدونا .

(1) البخاري: الصحيح ، ج 12 ص: 249 ، رقم: 3616

(2) ابن حجر: الإصابة في معرفة الصحابة ، ط1 ، دار الجيل ، بيروت ، 1412 ، ج 2 ص: 444 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت