فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 613

و أما زعمه بأن الملة -أي الإسلام- تابعة للفلسفة لأنها أسبق من ملة دين الإسلام ، فهذا زعم باطل لا دليل عليه من الشرع و لا من العقل ، و لا من التاريخ ، و الثابت أن دين الله الذي هو الإسلام كان أسبق في الظهور من الفلسفة ، علما بأن التابعية في الحقيقة لا تتعلق بالمتقدم في الظهور و لا بالمتأخر فيه ، و إنما تتعلق بالحق و الباطل ،و بالقائل ، فبما أن الإسلام هو الدين الحق ، و هو دين الله تعالى الذي أمرنا باتباعه ، و لا يرضى من البشر غيره ، فهذا يستلزم بالضرورة إتباعه من كل الناس من فلاسفة و علماء و عوام ، و غيرهم من بني آدم. و بذلك تسقط مزاعم الفارابي ، التي هي ليست من النقل ، و لا من العقل و لا من العلم في شيء .

و أما المثال الأخير- الثالث الذي سكت عنه الجابري- فمفاده أن الفارابي زعم أن الفلسفة هي التي تُعطي البراهين لما في الملة-أي دين الإسلام- ، لأن (( الآراء النظرية التي في الملة ، و التي تُؤخذ فيها بلا براهين ، و إنما تجد براهينها في الفلسفة النظرية ) ) (1) .

و قوله هذا غير صحيح ، لأنه أولا ليس صحيحا أن الفلسفة المزعومة هي التي تعطي البراهين على صدق دين الإسلام ، لأن الإسلام بذاته برهان كبير ، يضم عددا لا يُحصى من الآيات و الحجج، و البراهين و الدلائل ، على صدقه ، و أنه دين الله الخالد ، و قد أثبت صدقه ، و صحته ، و رد على مُنكريه زمن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- ،و ما بعده ، من دون فلسفة اليونان و لا غيرها ، و من قبل أن يعرفها المسلمون بأكثر من 150 سنة ، لذا وصفه الله تعالى في آيات كثيرة ، بأنه علم وحق ، و هدي و نور ،و برهان و بيان ،و آيات و حجج . و من كانت هذه صفاته فلا يحتاج أبدا إلى فلسفة اليونان ولا إلى غيرها من الفلسفات و المذاهب ، لكي يُقيم الحجج و البراهين على صدقه ، فهو برهان بنفسه غني بذاته .

(1) بينية العقل ، ص: 453 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت