هذه النتيجة عدّها الجابري نتيجة برهانية ، و هي في الحقيقة ظن و وهم ،و افتراء على الشرع و العقل معا ، ليس له فيما زعمه دليل صحيح ، لأنه أولا أن دين الإسلام ليس جديدا ، فهو دين الله تعالى في الأرض و السماء ، قبل أن يُخلق الإنسان ، عبدته به الملائكة و الجن ، قال سبحانه: - {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} -سورة آل عمران/19- ، و {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } - سورة الذاريات56-58- و {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} - سورة الشورى/13- . فالإسلام الذي جاء به محمد -عليه الصلاة و السلام- هو نسخة جديدة للدين الواحد ، الذي هو الإسلام ، و قد كان أول بشر على الأرض مسلما نبيا، و هو آدم عليه السلام- ، فزعم الفارابي بتقدم الفلسفة على الدين ، هو زعم باطل من أساسه .
و ثانيا إننا إذا نظرنا إلى المسألة من الناحية التاريخية المحضة ، فإنه ليس للفارابي دليل فيما زعمه من أن الفلسفة أسبق من الدين ، لأنه ليس له دليل تاريخي و لا عقلي يُثبت ما ادعاه ، لأن القضية كلها رجم بالغيب ،و هي تحتمل ثلاثة احتمالات ، هي: إما أن يكون الدين هو الأسبق ،و إما أن يكون التفلسف هو الأسبق ، و إما أنهما ظهرا في وقت واحد . كان على الفارابي أن يُقدم الدليل ليرجح ما زعمه ،و إن كان الاحتمال الأول هو الصحيح لأنه يتفق مع الإسلام ، و لأن الإنسان الأول لا شك أنه كان يعرف خالقه ،و هذا أساس التدين .