و ثانيا إن حكاية العقل الفعال الذي زعمه الفارابي ، هو خرافة و وهم و خيال ، أخذها الفارابي عن سلفه من المشائين بالاعتماد على الظن و الخيال في كثير من المسائل الطبيعية و الإلهية ، باسم العلم و المنطق ، بلا دليل من النقل الصحيح ، و لا من العقل الصريح ، و لا من العلم الصحيح . و نحن إذا سلمنا -جدلا- بوجود هذا العقل الفعال المزعوم ، فلماذا لا يدركه كل الناس و يتعرفون عليه ، أو على الأقل كل أهل العلم ؟ ! ، فيصبحون كلهم فلاسفة يتفوقون على الأنبياء حسب زعم الفارابي . و إذا كان الفلاسفة يأخذون علومهم من العقل الفعال بواسطة العقل ، فلماذا فلسفتهم مليئة بالأخطاء العلمية ، و الخرافات ،و الأوهام و الظنون ، كما سبق أن بينناه فيما يخص فلسفة أرسطو ؟ ! .
و في مقابل ذلك نجد الأنبياء-عليهم السلام- أدلة صدقهم دامغة لا أخطاء فيها و لا خرافات ، أيدهم الله تعالى بمختلف الدلائل و الآيات و البراهين ، خاتمهم محمد رسول الله-عليه الصلاة و السلام- الذي أيده الله تعالى بمعجزة علمية خالدة تحدى الله بها عالم الجن و الإنس معا ، منذ أكثر من 14 قرنا ، لم يستطع أحد الرد عليه ،و لا وُجد فيه خطأ علمي واحد، و تضمن معجزات علمية مذهلة في مختلف مجالات العلوم . و هذا خلاف ما وجدناه في فلسفة أرسطو التي تزعم العقل الفعال ، فقد وجدنا فيها أخطاء علمية و منهجية كثيرة تتعلق بطبيعياته و إلهياته ، ذكرنا منها طرفا فيما تقدم آنفا .
و أما المثال الثاني -الذي نقله الجابري و سكت عنه- فمفاده أن الفارابي انتهى من عرضه الفلسفي البرهاني إلى القول بأن الفلسفة أسبق من الملة- أي الإسلام- ،و من ثم فإن الملة تابعة للفلسفة (1) .
(1) بنية العقل العربي ، ص: 424 .