و قوله هذا غير صحيح ، لأن الأسطورة و ما يتصل بها من أوهام و ظنون و خيالات لم تنفصل عن التفكير النظري العقلاني ، عند اليونان ،و لا عند العرب ، و لا عند الأوروبيين ، و إن ضاق مجالها و اتسع من أمة إلى أخرى ، و من طائفة إلى أخرى ، و من زمان إلى آخر ، و من مذهب إلى آخر ، فاليونان مثلا كان تفكيرهم الأسطوري الخرافي جزءا كبيرا لا يتجزأ من تفكيرهم العلمي ، و هذا معروف و ثابت عنهم ، فأفلاطون و أرسطو و أفلوطين يُقال أنهم هم الذين اقترحوا على قومهم ديانة أُلوهية الكواكب التنزيهية-حسب اعتقادهم- بدلا من ديانتهم الشعبية اليونانية التشبيهية (1) ،و أرسطو كان يقول بالطبيعة الإلهية للعقول و الأجرام السماوية الأزلية (2) .
و أرسطو و أتباعه قالوا بخرافات كثيرة ، لا دليل لهم فيها من العقل و لا من العلم ، كقولهم بالعقول العشرة ، و وصفهم لله تعالى بالعجز و عدم العلم ، و قولهم بقدم العالم ، و الطبيعة الإلهية للعقل (3) . و الجابري نفسه ناقض ما قاله عندما قال: إن الفلسفة اليونانية برمتها تجد أصولها و فصولها في الأساطير الإغريقية .و قال أيضا: إن منطق أرسطو ملتحم التحاما عضويا مع إلهيات أرسطو (4) . و بما أن إلهيات أرسطو كثيرة الأساطير و الأهواء و الأوهام ، فمنطقه مُلتحم بذلك .
(1) جورج طرابيشي: العقل المستقيل ، ص: 126 .
(2) علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي: أرسطو و المدارس المتأخرة ، دار المعرفة الجامعية ، الأسكندرية ، 1990 ، ص: 157 ، 191 ، 201 .
(3) سبق توثيق ذلك .
(4) التراث و الحداثة ، ص: 172 ، 312 .