و ختاما لموضوع نُظم إنتاج المعرفة ، أشير هنا إلى أمرين هامين ، الأول هو أن المجتمع الإسلامي في القرن الثاني الهجري و ما بعده لم يكن مضطرا و لا في حاجة ماسة إلى نظام البرهان -أي فلسفة أرسطو-،و لا إلى نظام العرفان على حد تعبير الجابري ، لكن طائفتين من المسلمين انحرفتا عن الإسلام ، فواحدة تبنت فلسفة اليونان ، و الأخرى تبنت فلسفة العرفان، فساهمتا في إفساد الفكر و تخريبه لأهداف و خلفيات مذهبية كثيرة ، أشار الجابري إلى بعضها (1) . و بناء على ذلك فإن الإسلام كدين و نظام معرفي لم يكن مطلقا في حاجة إلى نظام آخر من خارجه ، و لا المسلمون الملتزمون بدينهم الفاهمون له ، كانوا في حاجة إليه هم أيضا.
و أما الأمر الثاني فهو أن منطق أرسطو الذي بالغ الجابري في مدحه و الدفاع عنه ، لم يكن الإسلام في حاجة إليه مطلقا ، لأنه دين كامل شامل يقوم على منطق شرعي عقلي علمي فطري طبيعي ، عكس منطق اليونان الناقص القاصر العقيم ، الذي لم يكن الإسلام في حاجة إليه أصلا و لأنه أيضا مخالف للإسلام و لا يتفق معه أصولا و لا فروعا ، لأنه منطق قام في أصوله و فروعه على فلسفة اليونان الوثنية الأسطورية ، و هذا أمر اعترف به الجابري صراحة (2) .
و أما المجموعة الثانية -من أخطاء الجابري المنهجية- المتعلقة بالفلسفة و المفاهيم ، فتتضمن خمسة أخطاء ، أولها يتمثل في أن الجابري قال: (( إن المعطيات التاريخية التي نتوفر عليها اليوم تضطرنا إلى الاعتراف للعرب و اليونان و الأوروبيين بأنهم وحدهم مارسوا التفكير النظري العقلاني بالشكل الذي سمح بقيام معرفة علمية أو فلسفية أو تشريعية منفصلة عن الأسطورة و الخرافة ) ) (3) .
(1) أنظر: تكوين العقل ، ص: 179 و ما بعدها ، 227 و ما بعدها .
(2) التراث و الحداثة ، ص: 172، 312 .
(3) تكوين العقل العربي ، ص: 17 .