و قوله هذا يتضمن تغليطا و محاولة للتملص و الهروب مما قاله في مدح فلسفته أرسطو و تعظيمها ،و سكوته عن أخطائها و نقائصها و انحرافاتها المنهجية . لأن الانتقادات التي وجهناها لنظام البرهان-أي فلسفة أرسطو- هي في الأصل أخطاء علمية تتعلق بالمنهج أكثر مما تتعلق بتطبيقه و الالتزام به ، فالمنطق الصوري-أي الأرسطي- في أصله منهج ناقص عقيم ، مُعيق للفكر الطبيعي ، غير ضروري للفكر الإنساني .كما أن معظم أخطاء أرسطو العلمية المتعلقة بطبيعياته و إلهياته ، أسبابها الحقيقية و العميقة هي أخطاء منهجية محضة تتعلق بمنهج التفكير نفسه ، الذي خاض به أرسطو مجاهيل الغيب بلا دليل صحيح من العقل و لا من العلم .
و الأمر الثالث مفاده أن نظرة الجابري إلى ما سماه بنظامي البرهان و البيان و انتقاده لهذا الأخير ، هي نظرة ليست جديدة من حيث الأصل ، فقد ورثها عن سلفه من الفلاسفة المشائين وسايرهم فيها ، فهم قد سبقوه إلي تلك النظرة ، فحكى عنهم ابن قيم الجوزية ، بقوله: (( ويظن جهال المنطقيين و فروخ اليونان أن الشريعة خطاب للجمهور ولا احتجاج فيها ، و أن الأنبياء دعوا الجمهور بطريق الخطابة ، والحجج للخواص وهم أهل البرهان يعنون نفوسهم ومن سلك طريقتهم ، وكل هذا من جهلهم بالشريعة والقرآن فإن القرآن مملوء من الحجج والأدلة والبراهين في مسائل التوحيد وإثبات الصانع ، والمعاد وإرسال الرسل ، وحدوث العالم ) ) (1) .
(1) مفتاح دار السعادة ، ج 1 ص: 145 .