و أما دفاعه عنه ، فهو دفاع ضعيف جدا ، و لا مبرر له ، و يتضمن تناقضا مع نقده السابق له ، لأن الحقيقة هي أن ذلك المنطق كان عقيما مُعيقا للتفكير الفطري السليم و العلمي التجريبي المبدع ، و إيجابياته القليلة لا تغني و لا تّسمن من جوع ، و يمكن الاستغناء عنها كلية هي ومنطقها ، بالاعتماد على العقل الفطري الطبيعي في الإنسان . و أرسطو نفسه لم يمنعه منطقه من الإغراق في كثرة الأخطاء و الأوهام ، و الخيالات و الخرافات ،التي لا دليل عليها من العقل و لا من العلم . علما بأن علماء الإسلام قد رفضوه - أي المنطق الأرسطي- منذ البداية ، و أقاموا الدليل العملي على عقمه و عدم ضروريته ، بتركهم له و تفوقهم في العلوم بدونه من جهة ،و أقام بعضهم الدليل العلمي على بطلانه كابن تيمية ،و ابن القيم الجوزية ، و السيوطي ،و غيرهم من جهة أخرى (1) .
و أشير في هذا المقام إلى خطأ فادح ردده الجابري مرارا ، مفاده أن الخليفة المأمون و ابن حزم و ابن رشد و ابن خلدون و الشاطبي كانوا يسعون إلى تأسيس البيان على البرهان (2) . و بما أن البيان -عند الجابري- يشمل علوم الإسلام و اللغة ،و الفقه و علم الكلام ، و البرهان يعني فلسفة أرسطو، فمعنى ذلك أن علوم الإسلام المحضة ،و بمعنى آخر علوم الكتاب و السنة الصحيحة ، هي من البيان الذي هو مجرد أقوال و ألفاظ لا برهان فيها و لا دليل، فهي إذًا تحتاج إلى من يُبرهنها لإثبات صحتها ، و من ثم فهي تحتاج إلى نظام البرهان ليُبرهنها حسب زعم الجابري .
(1) أنظر: محمود يعقوبي: ابن تيمية و المنطق الأرسطي ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، ص: 23 ، 230 .
(2) تكوين العقل ، ص: 254 ، 256 . و بنية العقل العربي ، ص: 557 ، 567 .