كما أن أرسطو -فيما ادعاه- لم يحترم عقله ولا علمه ، و لا تلامذته و لا من جاء بعده ، فمن الذي أخبره أن الله تعالى لم يخلق العالم ، و أنه لا يعلم ، و لا يريد و لا يفعل شيئا ، و أنه يتمتع و يلتذ باللذة الكبرى ؟ . هذه الظنون و الأوهام لا سند لها من العقل و لا من العلم ، يصدق على قائلها قوله تعالى: { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} -سورة النجم/23- ، فتلك المزاعم ما هي إلا أوهام و ظنون ، خدع بها أرسطو نفسه و أتباعه من جهة ، و دلت على أنه لم يكن هو و أصحابه في مستوى العلم و البرهان من جهة أخرى ، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية وصف الأرسطيين بأنهم من (( أجهل الناس ، و أضلهم ، و أشبههم بالبهائم من الحيوان ) ) (1) .
و أما المثال الثاني فيتعلق بالعقول ، و هي عشرة عند أرسطو و أتباعه المشائين ، أولها العقل الفعال ، و هو أول ما صدر عن الله حسب زعمهم ، ومفارق للمادة غير ممزوج بها ، و لا يموت ، و هو إلهي الجوهر مُبدع كل ما تحت فلك القمر (2) . و أما العقول التسعة المتبقية ، فهي جواهر قائمة بنفسها ، و مدبرات النفوس . و زعم المشاؤون - أي الأرسطيون- في العصر الإسلامي بأن العقول العشرة هي الملائكة ، تتصف بالقدم و الأزلية.و العقل في الإنسان هو أيضا جوهر قائم بنفسه ، و له طابع إلهي ، حتى أن أرسطو وصفه بأنه (( هو الله فينا ) ) (3) .
(1) درء التعارض ، ج 5 ص: 65 .
(2) بنية العقل ، ص: 410 . و الشهرستاني: الملل و النحل ، ج 2 ص: 449 . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 9 ص: 104 . و جورج طرابيشي: وحدة العقل العربي الإسلامي ، ط2 ، دار الساقي ، بيروت ، 2002، ص: 92، 95 .
(3) الشهرستاني: الملل و النحل ، ج 2 ص: 449 ، 450 . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 9 ص: 104 . و درء التعارض ، ج 4 ص: 205 . و جورج طرابيشي: المرجع السابق ، ص: 92 .