و أما بالنسبة لأخطاء أرسطو المتعلقة بفلسفته الإلهية - ما وراء الطبيعة- فهي كثيرة أيضا ، و أبعد ما تكون عن المنهج العلمي البرهاني ، الذي ادعاه الجابري في وصفه لفلسفة أرسطو التي سماها نظام البرهان حسب زعمه . و سأذكر منها مثالين ، أولهما يتعلق بالله تعالى و صفاته ، فالله عند أرسطو و أصحابه هو علة غائية لا فاعلة ، لم يُبدع الأفلاك و لا حركتها ، لكنه شرط في حصول حركتها ، و هو يُحرك الفلك ليتشبه به ، كتحريك المعشوق للعاشق ، و الله عندهم (( لا يفعل شيئا ، و لا يُريد شيئا ،و لا يعلم شيئا ، و لا يخلق شيئا ) )،و موضوعه الوحيد تعقّل ذاته . و زعم أرسطو أ، الله إذا كان يتمتع باللذة السرمدية التي لا ننالها نحن إلا أحيانا ، فهذا (( أمر عجب ،و إذا كانت لذته أكبر و أعظم ، فهذا أعجب ، و الواقع أن له اللذة الكبرى ) ) (1) .
و تعليقا عليه أقول: إن أقواله هذه عن الله تعالى ، هي رجم بالغيب ، و قول على الله بلا علم ، ليس له فيها دليل من العقل الصريح و لا من العلم الصحيح ، فالرجل يتكلم و لا يعي ما يقول ، و نحن لا نناقشه في أوهامه ، لأنه ليس من العقل و لا من العلم أن نناقشه فيها ، و إنما نطالبه بالبرهان الذي ادعى الجابري بأنه خاص بفلسفة أرسطو ، و لن يجد برهانا يُوصله إلى مزاعمه الوهمية ، لأن أرسطو تكلم عن أشياء غيبية لا يمكن معرفتها إلا من طريقين ، أولهما كتاب منير من الله تعالى الكريم ،و ثانيهما قول من رسول كريم ، و هذان الطريقان لا يتوفران عند أرسطو في مزاعمه ، مما يعني أن مقالاته ما هي إلا خيالات و ظنون و أهواء ، لا تمت إلى البرهان ، و لا إلى العقلانية ، و لا إلى العلمية ، و لا إلى التجريبية بصلة ، التي زعم الجابري أنها من خصائص فلسفة أرسطو .
(1) بنية العقل ، ص: 412 ، 413 . و ابن تيمية: درء التعارض بين النقل و العقل ، ج 1 ص: 397 . و مجموع الفتاوى ، ج 18 ص: 230 . و رسالة في تحقيق الشكر ، ص: 104 .