و على المعنى الثاني يكون كلام الجابري باطلا شرعا و عقلا ، فأما شرعا فإن الله تعالى وصف نفسه في القرآن الكريم ، بصفات كثيرة ، تُطلق أيضا على الإنسان ، كالسمع و البصر ، و العلم و الحياة ، و الإرادة و القدرة ، و الكلام و الحكمة ، لكنه سبحانه مخالف في ذاته و صفاته لكل مخلوقاته ، لقوله تعالى: - { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} - سورة الشورى/11- ، و (( لم يكن له كفؤا أحد ) ). و أما عقلا فبما أن الله تعالى موجود فلا بد له من صفات تليق به ، لأن لكل موجود لابد له من صفات تناسب ذاته ،و ليس إلا المعدوم الذي لا صفات له لأنه غير موجود أصلا ، فكيف تكون له صفات ؟ ! . و بناء على ذلك فإن الله تعالى لابد أن يتصف بصفات الكمال المُطلق ، و لا يمكن أن يكون خالقا لهذا العالم إلا إذا كان حيا مريدا ، قادرا عالما ، حكيما رزاقا ، عظيما بديعا ، سميعا بصيرا ... و هذه الصفات معظمها يتصف بها الإنسان ، اسما و معنى ، لكنها تناسب ذاته المخلوقة الناقصة ، و لا تُشبه مُطلقا صفات الله تعالى من حيث الكنه و الكيفية ، لكنها تُشبهها من حيث الاسم فقط ، و عليه فإن زعم الجابري من أن تنزيه الله هو عدم وصفه بالصفات التي تُطلق على البشر ، هو زعم باطل ، و هل يصح في العقل أن ننفي عن الله تعالى اتصافه بصفات الكمال كالعلم ، و الإرادة ، و الحياة ، و السمع ، بدعوى أن الإنسان يتصف هو أيضا بتلك الصفات ؟ ! .
و ثالثا إن قوله الأخير الذي عقّب به على واصل بن عطاء ، هو تغليط و استغفال للقارئ ، لأن الشرع لم يفصل بين ذات الله و صفاته ، و لا قال أهل السنة بذلك (1) . و عليه فإن زعمه بأن ذلك الفصل يُؤدي إلى تعدد القدماء في الذات و الصفات هو زعم غير وارد أصلا ، لأن التعدد يكون بالذوات لا بالصفات .
(1) ابن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية ، ص: 125، 126 .