و ثانيا إن العلم فوق السياسة ، و الخطأ هو الخطأ ، و الحقيقة العلمية فوق الظروف السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية ، و هذا لم يلتزم به الجبريون و لا القدريون ، فكل منهما ركب رأسه و هواه ، و اتبع ظنونه و أوهامه ، و جعل كلام الله و رسوله وراء ظهره ، و افترى عليهما و على الناس . و بناء على ذلك فإن المبررات التي ذكرها الجابري في موقفه من الجهم ، هي غير مقبولة شرعا ، و لا عقلا ، و لا علما .
و أما المثال الثالث فيتمثل في أن الجابري ذكر أخطاء للمعتزلي واصل بن عطاء و أصحابه ، في نفي صفات الله تعالى و إثبات القدر ، و سكت عنها و بررها كما فعل مع الجهم بن صفوان ، فقال: إن واصل بن عطاء تكلم في الصفات و قال: (( إن الله لا يُوصف بالعلم و القدرة ، و الإرادة و الحياة ، كما يُوصف البشر ، على نحو ما رأيناه عند الجهم بن صفوان ، و نفي الصفات ، و هي تؤول كلها إلى صفة العلم ، من مقتضيات القول بحرية الإرادة ،و الثواب و العقاب ، كما رأينا عند جهم كذلك .و هذا ما سيُطلق عليه فيما بعد مصطلح: التوحيد و العدل ، التوحيد معناه تنزيه الله من الصفات التي تُطلق على البشر ) ) (1) . و معنى ذلك عند واصل بن عطاء ، أن (( ذات الله و صفاته شيء واحد ، فلا يجوز الفصل بينهما كما هو الحال في الإنسان و صفاته ، لأن ذلك يُؤدي إلى القول بتعدد القدماء: الذات و الصفات و هذا شرك ، في حين أن الإسلام هو دين التوحيد ، و التوحيد يقتضي عدم فصل صفات الله عن ذاته ) ) (2) .
(1) العقل السياسي ، ص: 276 .
(2) العقل الأخلاقي ، ص: 82 ، 83 .