فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 613

مع العلم بأن ما يزعمه الجهم بن صفوان ما هو إلا تشبيه لله بخلقه، رغم أنه يزعم أنه يُريد التنزيه ، لأن الذي لا يعلم الأشياء قبل حدوثها ، هو الإنسان المخلوق ، و إذا كان الله هو أيضا لا يعلمها قبل حدوثها حسب زعم الجهم ، فهذا يعني التسوية بين الخالق و المخلوق في وصفهما بالجهل و عدم علم الغيب ،و هذا هو التشبيه بعينيه ، و التعطيل بذاته ، فإله الجهمية ميت جاهل ، عاجز مُعطل ، يُشبه الجمادات !! .

و أما المثال الثاني فيتمثل في أن الجابري عندما عرض موقف الجهم بن صفوان من الصفات و نفيه لها ، و ما يتعلق بها من جبر و اختيار ، قال: إنه يجب فهم نظريته حسب ظروفه السياسية في مواجهته للأمويين ، الذين قالوا بالجبر في حكمهم للناس ، فجاء موقف الجهم رد فعل لهؤلاء ، فقال بالقدر و نفى صفة العلم و الحياة و غيرها ، لذا فإن فهم تلك الآثار في إطارها السياسي يُزيل عنها ما يبرر وصفها بالتعطيل )) (1) .

و تبريره هذا في غير محله ،و لا يرفع الخطأ عن الجهم في نظرته إلى الصفات و القدر ، لأنه أولا إن ما فعله الجهم في معارضته للأمويين هو أنه رد خطا بخطأ ، فهم قالوا بالجبر و حكموا الناس به ، و احتجوا بآيات فهموها حسب مصالحهم و أهوائهم ، و أوّلوا ما يُخالفها أو تناسوها ، و هو أصحابه ارتكبوا نفس الخطأ ، عندما تطرّفوا في موقفهم من مسألتي الجبر و القدر معا ، فنفوا الأولى ، و قالوا بالثانية تطرفا (2) ، و تمسكوا بالآيات القرآنية التي توافق فكرهم و أهواءهم ،و أوّلوا الآيات التي تخالفها أو أغفلوها . و كل منهما أخطأ في موقفه من مسألة القضاء و القدر ، و حرية الإنسان ، و لم يتخذ الموقف الصحيح منها ، و هذا أمر قد سبق أن ناقشناه و بيناه .

(1) نفسه ، ص: 271 .

(2) من المعروف في كتب المقالات أن الجهم قال بالجبر ، لكن الجابري خالف ذلك و جعله من القدرية و عليه فننحن نناقشه بناء على ما ذهب إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت