و ثانيا إن ما نقله الجابري عن الجهم بن صفوان فيه تناقض صارخ ، يتمثل في أنه نفى كون الله حيا عالما ، لكي لا يُوصف بصفة يتصف بها المخلوق ، ثم أنه أثبت من جهة أخرى كونه تعالى قادرا فاعلا ، و هذا تناقض لأنه وصف الله تعالى بصفتين يتصف بهما الإنسان هو أيضا ، و هما: القدرة و الفعل ، فالإنسان قادر و فاعل بلا شك ، فله القدرة و الفاعلية في العمل و التغيير ،و هذا الذي يزعم الجهمية و المعتزلة بأنهم يدعون إليه في مقاومتهم للجبرية التي قال بها الأمويون على ما ذكره عنهم الجابري (1) .
و أما زعم الجهم-على ما نقله الجابري- بأنه (( لا يُوصف بشيء من خلقه بالقدرة و الفعل ) )، فهذا حديث خرافة ، يضحك به على نفسه و على الناس ، لأن كلامه هذا الذي يجادل به يتضمن قدرة و فعلا ، و هو كلام مُخالف للنقل و العقل و الواقع ، يُغالط به و يدلس به على الناس ، و يتسلط به عليهم ليضللهم و يُروّج بينهم أوهامه . و إلا فإن كل إنسان يجد في نفسه إحساسا يقينيا بأنه حي قادر فاعل .
و ثالثا إن قول الجابري بأنه يجب فهم قول الجهم على ضوء قوله: (( إن الله لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه ) )،و (( لا يُقال: إن الله لم يزل عالما بالأشياء قبل أن تكون ) )، هو قول باطل مردود على صاحبه ، و افتراء على الله تعالى ، لا دليل عليه من الشرع و لا من العقل ، و لا يصح التسليم له به ، و قد سبق أن ناقشنا هذا الموضوع و بينا بطلانه ، و أثبتنا أن صفة العلم الأزلي هي من مقتضيات الألوهية و كمالها ،و أن سبق العلم الأزلي لا يستلزم الجبر و لا القهر .
(1) نفسه ، ص: 271 ، 272 .