و هذه المزاعم التي نقلها الجابري عن الجهم ، هي قول على الله بلا علم ، و افتراء عليه ، و كذب على العقل و العلم معا . لأنه أولا زَعَم بأنه لا يجوز أن يُوصف الله بصفة يُوصف بها خلقه ، بدعوى أن ذلك يقتضي التشبيه حسب زعمه . و هذا كلام باطل من أساسه ، لأن الصواب هو أن نقول: لا يجوز أن نُشبّه صفات الله تعالى بصفات مخلوقاته، و ليس كما زعم الجهم- على ما نقله الجابري- ، و الفرق بين المفهومين واضح حاسم لا مجال للمقارنة بينهما ؛ و مفهوم جهم بن صفوان هو السبب في انحرافه و أخطائه و متناقضاته ،و الدليل على بطلان مفهومه بعدم اتصاف الخالق و المخلوق بصفات لها مسمى واحد ، هو أن هذا المفهوم و التعريف لا يمكن الالتزام به في التفريق بين صفات الخالق و المخلوق ، فهناك صفات تجمعهما في المعنى و الاسم بالضروة -مع اختلاف المماثلة- ، منها صفتا الوجود و الحياة ، فالإنسان موصوف بالوجود كموجود و متصف بالحياة ككائن حي ، و الله تعالى بالضرورة له وجود بما أنه موجود ، و بما أنه هو الخالق فبالضرورة أنه حي ، لأن الميت لا يخلق و لا قدرة له ،و هل يُتصوّر في العقل و العلم أن خالق ها الكون العجيب ليس حيا و لا عالما ،و لا حكيما و لا سميعا و لا موجودا... ؟ ! . و بناء على زعم الجهم فإنه يستلزم نفي أثبات الوجود لله و الحياة و القدرة ، بمعنى أنه غير موجود أصلا ، و هذا أمر باطل شرعا و عقلا ، لكنه يستلزمه زعم الجهم استلزاما ضروريا .