و ثانيهما إن آيات الصفات في القرآن ليست من المتشابه ، فهي واضحة وضوح الشمس ، من أنها صفات لله تعالى وصف بها نفسه ، يجب إثباتها له في إطار من التنزيه ، بلا تشبيه و لا تجسيم ، و لا تعطيل و لا تأويل ، من دون أية محاولة لمعرفة كُنهها . لأن ما قمنا به هو إثبات وجود لا إثبات كُنه و كيفية ، و أمر كهذا لا يصح وصفه بأنه من المتشابه ، لأن المتشابه هو ذلك الأمر الذي معناه غير مُحدد،و يحتمل عدة معان ، و هذا لا يصدق على آيات الصفات في القرآن ، كالسمع و البصر ، و الوجه ، و الكلام ، فهي صفات حقيقية تليق بالله تعالى .
و أما الخطأ الأخير-أي الخامس - فيتعلق هو أيضا بمسألة صفات الله تعالى ، و يتمثل في سكوت الجابري عن أخطاء المعتزلة و الجهم بن صفوان و تبريريها . أذكر منها أربعة أمثلة ، الأول مفاده أن الجابري قال: إن جهم بن صفوان يقول: (( لا يجوز أن يُوصف البارئ بصفة يُوصف بها خلقه ، لأن ذلك يقتضي تشبيها ، فنفى كونه حيا عالما ، و أثبت كونه قادرا فاعلا خالقا لأنه لا يُوصف بشيء من خلقه بالقدرة و الفعل و الخلق ) )، ثم قال الجابري: إن ذلك يجب أن يُفهم على ضوء قول جهم: (( إن الله لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه ) )، و قوله: (( لا يُقال: إن الله لم يزل عالما بالأشياء قبل أن تكون ) ) (1) .
(1) العقل السياسي ، ص: 271-272 .