و ثانيا إن قوله (( فلماذا يأمره بأشياء و ينهاه عن أشياء ،و هو يعلم منذ الأزل ، ما سيفعل ) )، فهو اعتراض لا يصح ، لأن الله تعالى عالم عادل حكيم ، أفعاله كلها لا تخرج عن العدل و الحكمة و الإحسان و الرحمة ، و عليه فإن من كمال عدله و رحمته ، و إقامة حجته على عبده ، فقضى سبحانه بأن يُخرج سابق علمه إلى الواقع ، فخلق الكون و من فيه ، و حمّل الإنسان الأمانة ، ليعيش تجربة الخلافة في الأرض بنفسه ، ليُقيم عليه الحجة ،و لا يبقى له أي عُذر فيما بعد . لذا قال تعالى: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } - سورة النساء/165-
، و مما يشهد لما قلناه ، أن الله تعالى أخبرنا أن يوم القيامة أن بعض الناس يُنكرون جرائمهم التي ارتكبوها في الدنيا ، فقال سبحانه: {انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} - سورة الأنعام/24- ، فالله تعالى عندما خلق الإنسان و هو يعلم ما سيفعله هذا المخلوق الحر ، كان عادلا حكيما رحيما ، ليقطع كل أعذار الإنسان . و مع ذلك فإنه سبحانه لو حاسب الناس بناء على سابق علمه بما سيفعلونه الأرض من دون أن يخلقهم و يستخلفهم فيها ، لكان عادلا رحيما ، حكيما معهم ، لكنه مع ذلك شاء سبحانه أن يُخرج سابق علمه الأزلي إلى واقع مخلوق ليتحمل الإنسان الأمانة التي كُلف بها .
و ثالثا إن القول بالتناقض بين إثبات العلم الأزلي لله ، و القول بحرية الإنسان و اختياره ، هو طعن في القرآن الكريم ، الذي أثبت الأمرين معا في آيات كثيرة جدا ، فلو كان الأمر فيه تناقض كما زعم الجابري ما أثبت القرآن ذلك ، و هو كتاب الله تعالى المُحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، و هو المُنزه عن التعارض و التناقض .