و ردا عليه أقول: أولا إنني لا أدري هل الجابري لا يفهم ، أم أنه لا يُريد أن يفهم بأنه لا يُوجد أي تناقض بين علم الله الأزلي و القول بحرية الإنسان و اختياره في المجال المُختار فيه ؟ ، لأن سبق العلم لا يلزم الإجبار بالضرورة ، فبما أن الله تعالى عالم الغيب و الشهادة ، و علام الغيوب ، فعلمه بما سيحدث قبل خلقه للعالم هو من ضروريات ألوهيته و كمالها ، و لا يمكن تُصوّر إله لا يلعم الغيب ، و من زعم عكس ذلك فهو واهم مخالف للنقل و العقل معا ، فعلمه ِلما سيحدث هو علم انكشاف لا علم جبر و لا قهر فيما يتعلق بأفعال الإنسان الاختيارية ، و بما أن علمه بذلك هو علم كمال و انكشاف لا علم جبر و قهر ، فإن التناقض الذي ذكره الجابري لا وجود له أصلا في علم الله تعالى .
و حتى في علم الإنسان يمكن تصوّر ذلك ، و مثاله إذا قال المعلم: هذا التلميذ سينجح ،و التلميذ الفلاني لا ينجح ، بدون أن يعلمهما بذلك لكي لا يُؤثر فيهما بكلامه ،و أدى واجبه كاملا تجاههما ، ثم بعد الاختبار تحقق ما قاله الأستاذ ، فنجح الأول و رسب الثاني ، فهل الأستاذ هو السبب فيما حدث ؟ و هل علمه المتوقع هو السبب في ذلك ؟ ، طبعا لا ، لأن كل ما فعله الأستاذ أنه تنبأ بثقة بناء على المعطيات التي يعرفها عن التلميذين ، فالأول كان مجتهدا ، و الثاني كان كسولا ، فتنبأ بنجاح الأول، و تنبأ برسوب الثاني ، فتحقق ما توقعه ، و لم يتدخل علمه المسبق المتوقع في الرسوب و لا في النجاح ، و من ثم فلا يصح أن يرفع ولي أمر التلميذ الكسول دعوى قضائية ضد الأستاذ بتهمة أنه تسبب في رسوب ابنه لأنه كان يعلم ذلك مُسبقا ! . فالعلم المُسبق إذا لا يلزم جبرا و لا قهرا ، و إذا كان ذلك جائزا في حق البشر ، فالله تعالى أولى بأن يكون علام الغيوب من دون أكراه و لا جبر و لا ظلم للعباد .