فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 613

و رابعا إن نفي القضاء و القدر ، يُثير مشكلة أخرى ، تتمثل في التصادم مع نُصوص الشرع جملة و تفصيلا ، فهي -أي النصوص- قد نصت صراحة- في آيات كثيرة - على أن الله تعالى عالم الغيب و الشهادة ، و أنه يعلم ما كان و ما سيكون ، و أنه أعطى للإنسان الحرية الكافية للقيام بعمارة الأرض، و أنه سيحاسبه عن أعماله ، في إطار من العدل و الرحمة ، و الحكمة و الإحسان ، و أنه تعالى ليس بظلام للعبيد ، قال سبحانه: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} -سورة الرعد/9-، و {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} - سورة التوبة/78-، و {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} - سورة الكهف/49- ، فهذه الآيات-و غيرها- تنقض مزاعم نُفاة القضاء و القدر من أساسها ، فهل نترك كتاب الله تعالى ، و نأخذ بأوهام و ظنون المعتزلة في نفيهم للقضاء و القدر ؟ ! .

و الخطأ الثالث يتعلق هو أيضا بمسألة القضاء و القدر ، فقد زعم الجابري أن القول بعلم الله الأزلي ، و حرية الإنسان و اختياره ، هو فعلا تناقض ، لأن (( القول بأن لله علما قديما يلزم عنه إن الله يعلم ذلك من الأزل كل شيء بما في ذلك الأفعال التي سيأتيها الإنسان ، و إذا كان الله يعلم ذلك منذ الأزل فإن علمه يتحول في هذه الحالة إلى نوع من الجبرية ، و سيؤول الأمر في النهاية ، إلى القول إنه تعالى قدّر بسابق علمه على الإنسان أفعاله و إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا يأمره بأشياء و ينهاه عن أشياء و هو يعلم منذ الأزل ما سيفعل ؟ ، و واضح إذًا أن القول بالعلم الأزلي في ميدان الإلهي يلزم عنه القول بالجبر و الاضطرار في ميدان البشري ) ) (1) .

(1) التراث و الحداثة ، ص: 58 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت