فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 613

و ثانيا إن أزمة القيم المُتوهّمة لا وجود لها أصلا ، في دين الإسلام ، و لا في مذهب السنة-قبل انقسامه- ، لأن موضوع إثبات القضاء و القدر في حقيقته الشرعية، لا علاقة له مطلقا بمسألة الجبر و الاختيار كما توهمها المعتزلة و المتأثرون بهم. لأن المذهب السني يُثبت للإنسان اختياره و مسؤوليته ، و قدرته على التأثير في إطار من القضاء و القدر الذي يعني أن الله تعالى قضى و قدّر في الأزل كل ما سيخلقه ، و ما سيحدث في المستقبل ، بما فيها أفعال البشر التي سيفعلونها من دون إكراه لهم ، فعل ذلك بإرادته و مشيئته ،و قدرته و علمه ، و حكمته و عدله سبحانه و تعالى ، و بناء على ذلك فإن سبق علم الله تعالى لكل ما سيحدث مستقبلا ، بما فيها أفعال الإنسان ، فإنه لا يستلزم الإجبار و الإكراه و الظلم ، و هذا الذي لم يفهمه المعتزلة و الموافقون لهم ، أو أنهم لم يُريدوا فهمه . لأن القضاء و القدر ، هو من ضروريات الربوبية و كمالاتها ، فالإله الذي لا يعلم ماذا سيحدث مستقبلا ليس بإله ، كما أن علمه بذلك لا يُعد أبدا ظلما و لا إكراها ، و إنما هو كشف لحجُب الغيب .

و لتوضيح الأمر أكثر ، أذكر مثالا رائعا لفهم العلاقة بين قضاء الله و قدره ، وبين أفعال الإنسان و حريته، و مفاده أنه لما انتشر الطاعون زمن الخليفة عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- ، و امتنع من دخول البلد الذي انتشر فيه ، قال له أحد المسلمين: (( أتفر من قدر الله ؟ ، قال: أَفِر من قدر الله إلى قدر الله ، أرأيتَ إن كان لك إبل هبطت واديا له عُدوتان ، إحداهما خصبة ، و أخرى جدباء ،أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ، و إن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ) ) (1) . و هذا مثال عملي و نظري رائع للفهم الصحيح للعلاقة بين القضاء و القدر و أفعال الإنسان .

(1) البخاري: الصحيح ، ج 5 ص: 2163 ، رقم: 5397 . و مسلم: الصحيح ، ج 4 ص: 1740 ، رقم 2219 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت