فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 613

و قوله هذا غير صحيح في معظمه ، و لا توجد أزمة قيم في المذهب الصحيح أصلا ، لأنه أولا لم يفرّق-أي الجابري- بين أهل السنة قبل انتشار المذهب الأشعري و بعده (1) ، لأن المذهب السني كان مذهبا مُهيمنا يمثل غالبية المسلمين ، قبل انتشار الأشعرية ، فلما انتشرت انقسم أهل السنة إلى طائفتين ، الأولى تمثل السنة السلف ، و هم أهل الحديث و الحنابلة ، و الثانية تمثل السنة الخلف ، و هم الأشاعرة و الماتريدية (2) . و الفترة التي ظهر فيها المعتزلة و كان لهم فيها نفوذ و نشاط قويين ، كان فيها أهل السنة جماعة واحدة فكرا و طائفة ، لكن الجابري يتكلم عن هذه الفترة ، و ينسب إلى أهل السنة فكر الأشعري الذي مازال لم يظهر بعد،ولم يعتقدونه أصلا . لذا فهم لم يقولوا بكسب الأشعري ، و لا بنفيه للحكمة و التعليل ، التي بنى عليها الأشعري الكسب و نفي التأثير (3) .الأمر الذي يعني أن قول الجابري بأن أهل السنة قالوا: (( لا فاعل إلا الله ) )هو قول لا يصح نسبته إلى أهل السنة،-قبل انقسامهم- ، لكنه يصدق على الأشاعرة بعد أنقسام السنيين على أنفسهم . فأهل السنة -قبل انقسامهم- لم يقولوا: لا فاعل إلا الله ، و إنما قالوا: لا خالق إلا الله ، و أثبتوا للناس أفعالهم و أعمالهم المخلوقة ، و ميزوا بين أعمالهم الاضطرارية ، و أعمالهم الاختيارية المسؤولين عنها (4) .

(1) انتشر المذهب الأشعري انتشارا واسعا في القرن الخامس الهجري و ما بهده ، و للتوسع في ذلك أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين ألشاعرة و أهل الحديث ، ص: 12 و ما بعدها .

(2) نفسه ، ص: 12 و ما بعدها .

(3) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 8 ص: 377 ، 467 ، ج 9 ص: 287 . و دقائق التفسير ، ج 2 ص: 109 .

(4) انظر مثل: البخاري: خلق أفعال العباد ، ص: 113 . و ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 8 ص: 394 . و ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة ، ج 4 ص: 1584 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت