و ثانيا إننا إذا انطلقنا من ذلك الفهم ، يتبين لنا جليا أنه لا يُوجد أي تناقض ، بين آيات الجبر و الاختيار ، فهي على ثلاثة أنواع ، أولها نصّ على أن الله تعالى خلق كل شيء و قدّره تقديرا ، كقوله تعالى: - { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} - سورة الفرقان/2- ، و {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ،قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} -سورة الشمس/7-10-، و عليه فإن الإنسان -مثلا- ليس له إي اختيار في خلق نفسه ، و لا في اختيار والديه و جنسه ، و ليس هو الذي جعل نفسه مُسيرا في جوانب من ذاته ، و مُخيرا في جوانب أخرى من نفسه.
و النوع الثاني- من تلك الآيات- نَص صراحة على أن الإنسان له اختيار و حرية التصرف ، و مسئول عن أعماله و سيُحاسب عليها ، فيما يتعلق بالجانب الاختياري من نفسه الذي هو حُر فيه ، كقوله تعالى: (( قد أفلح من زكاها ،و قد خاب من دساها ) )-سورة الشمس/9-10 - ، و {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} - سورة المدثر/38- ، و {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} -سورة الليل/5-10- .