فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 613

و النوع الثالث -من تلك الآيات- نَصَ على أن الجانب الاختياري في الإنسان ، ليس هو فيه حرا حرية تامة ، يتصرّف فيه كما يُريد ، و إنما هو فيه مُحكم بالإرادة و المشيئة الإلهية ، فالإنسان قد يُريد أمرا ، و الله تعالى قد يُريده أيضا فتتفق الإرادتان ، فيتحقق في الواقع بإرادة و مشيئة منه سبحانه. لكن ذلك الإنسان قد يُريد أمرا ما ، الله تعالى لا يُريده ، فتختلف الإرادتان و لا يتحقق إلا ما أراده الله . لأن إرادة الإنسان محدودة و محكومة بالإرادة الإلهية المطلقة،و لا تستطيع أن تفعل كل ما تريده من الأفعال المتعلقة بالجانب الاختياري ، لذا قال سبحانه: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ،وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} -سورة التكوير/ 28-29- ، و مثال ذلك مسألة الهداية ، فالإنسان لا يملكها لأنها بيد الله تعالى لقوله: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} -سورة القصص/56-، لكنه -أي الإنسان- يستطيع الأخذ بأسباب الهداية و وسائلها المؤدية إليها ، بمعنى أنه يستطيع أن يسعى للوصول إليها ، فإذا أخلص نيته لله تعالى ، و التزم بشرعه ظاهرا و باطنا ، سيصل إليها ،و يُكرمه الله بها ، لأنه سبحانه هو الذي وعده بها ، و الله لا يُخلف المعاد . و بذلك يتبين أن الهداية فعلا هي بيد الله تعالى ، يُكرم بها عباده المخلصين الملتزمين بشرعه ، . فلو كان الإنسان يملك الهداية لمنحها لنفسه من دون عمل ، أو قبل اكتمال شروطها ، لكنه مع ذلك يمكنه الوصول إليها باختياره و حريته ،إذا سلك الطريق الصحيح الموصل إليها . و بذلك نكون قد جمعنا بين الآيات القرآنية التي زعم الجابري أنها متعارضة ، و دفعنا عنها التعارض المُتوّهم في فهمها ، و لله الحمد أولا و أخيرا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت