و أما زعمه بأن الحنابلة يقولون: ينبغي أن نتلقى القرآن بلا كيف، بمعنى دون أن نسأل: كيف نفهمه ، ؟ ، و كيف نفسره ؟ ، لأنه ليس في حاجة إلى تفسير أو تأويل ،و علينا أن نتلقاه و نتشرّبه داخليا (1) . فهو افتراء على القوم ، لأن الحنابلة و أهل الحديث يقولون: بلا كيف فيما يخص صفات الله تعالى ، و يقولون: يجب إثبات كل الصفات الواردة في الشرع بلا تكييف،و لا تشبيه ، و لا تجسيم ، ولا تأويل ، و لا تعطيل (2) . لكنهم لم يقولوا ما زعمه أركون ، و كان عليه أن يُوثقه لكي نتثبت منه ، و كيف يقولون ذلك ، و القرآن يحثهم على تدبر القرآن و فهمه ، ؟ ، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} سورة محمد/24- ، و {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} - سورة ص/29 - ، و هم لو لم يتدبروا القرآن و يفهموه ما أخرجوا كنوزه في مؤلفاتهم التفسيرية ، المتقدمة منها و المتأخرة (3) .
و أما الخطأ الأخير - أي الرابع- ، فيتعلق بموضوع صفات الله تعالى ، فقد زعم أركون أنه توجد في القرآن كلمات تُؤدي إلى (( تفسيرات تجسيمية ، أو تشبيهية ، من مثل (( ثم استوى على العرش ) )، و (( علّم بالقلم ) )، و (( إنه سميع عليم ) )، تُؤخذ على حرفيتها من قبل التفسير الإسلامي التقليدي )) (4) و قوله هذا خطأ من وجهين:
(1) الإسلام ، أوروبا ، ص: 188 .
(2) أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية ، ص: 8 و ما بعدها .
(3) أنظر"أبو الحسين بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 51 ، 55 ، 106 ، 120 . و من تفاسيرهم المعروفة و المطبوعة و المتداولة بين أهل العم: زاد المسير في علم التنفسير لابن الجوزي . و التفسير الكبير، و دقائق التفسير ، و هما لابن تيمية . و التفسير القيم لابن القيم ."
(4) أركون: القرآن ، 33 .