و أما الخطأ الرابع فيتعلق بتعريف أركون لمفهوم الجاهلية في القرآن ، فزعم أن (( مفهوم الجاهلية حسبما ورد في القرآن يُطابق على الأقل في وظائفه الإيديولوجية ، مفاهيم العقلية البدائية ، و المجتمع العتيق ، و المجتمع الذي لا يعرف الكتابة و الفكر المتوحش ) ) (1) .
و تعريفه هذا غير صحيح ، و باطل من أساسه ، لم يُورد عليه دليلا من القرآن ، و لا من السنة النبوية ، مع ادعائه بأنه يذكر مفهوم الجاهلية في القرآن . و الحقيقة أن معنى الجاهلية في القرآن لا علاقة له مطلقا بالتطور الحضاري الدنيوي ، فقد يكون مجتمع ما متطور دنيويا ، و هو مجتمع جاهلي ، و قد يكون مجمع ما متخلف في الجانب المادي الدنيوي ، و هو ليس جاهليا ، و عليه فإن معنى الجاهلية في القرآن ليس كما زعم أركون ، و إنما معناه هو عدم عبادة الله تعالى و الالتزام بشريعته على مستوى الأفراد و الجماعات و الأمم ، و الدليل على ذلك قوله تعالى: (( أفحكم الجاهلية يبغون ، و من أحسن من الله حكما لقوم يثقنون ) )-سورة المائدة/50 - ،و (( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، حمية الجاهلية ) )-سورة الفتح/26- ، و (( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ) )-سورة آل عمران- ، و (( و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) )-سورة الأحزاب /33- ، فالجاهلية في القرآن ليست مرتبطة بزمان و لا بمكان ، و لا بجنس، و إنما هي مرتبطة بالكفر و الإيمان ،و الالتزام و الانحراف ، فإذا حضر الإسلام ظاهرا و باطنا ارتفعت الجاهلية ، و إذا غاب الإسلام حضرت الجاهلية ، و قد يحدث بينهما حضور و عياب في زمن واحد .
(1) تاريخية الفكر العربي الإسلامي ، ص: 99 .